Chapter 6

الفصل الثاني: الشيعة والكتاب والسنة

From لماذا اخترت مذهب أهل البيت

ARChapter ViewOctober 23, 2026

الفصل الثاني الشيعة والكتاب والسنة

===== Page 73 =====

الشيعة والكتاب والسنة النبوية أخذت الشيعة بعد النبي صلى الله عليه وآله أحكام دينها من الكتاب، والسنة النبوية: أما الكتاب فالمجتهد منهم يأخذ بنصوص آيات الأحكام منه، أو بما له ظاهر كالنص، وأما ما يحتاج إلى التفسير فيتوقف فيه حتى يرد فيه تفسير من العترة الطاهرة المعصومين عليهم السلام. وأما السنة النبوية فيأخذ بصحاح أحاديث النبي صلى الله عليه وآله والأئمة من أهل البيت عليهم السلام، وأفعالهم وتقريرهم على ما هو مرسوم في الأصول، وغير المجتهد منهم إما أن يحتاط في أحكامه، أو يقلد مجتهدا " عادلا " على شروط مذكورة في كتبهم، أهمها أن يكون ذلك المجتهد ممن يأخذ فقهه من النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام مع الكتاب المجيد والاستضاءة بنور العقل، ولهم في تدعيم مذهبهم حجج متينة، وبراهين رصينة منبثة في كثير من مؤلفاتهم المنشورة في كل عصر، وها أنا ذا أقدم لك أولا طائفة من الآيات القرآنية، ثم جملة من الأحاديث النبوية الدالة على إثبات أحقيتهم ومدعاهم.

أ - الشيعة والقرآن

1 - آية الولاية

===== Page 74 =====

الشيعة والقرآن جاء في القرآن المجيد آيات عديدة، تؤيد مدعى الشيعة، وقد فسرها علماء الفريقين وفقا " لما ذهب إليه الشيعة جمعاء، منها: (آية الولاية) وهي قوله تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ (1). اتفق جميع أهل البيت عليهم السلام وعلماء التفسير والحديث من الشيعة بقضهم وقضيضهم (2)، وكثير من مفسري السنة، بل جميعهم، على أن هذه الآية الكريمة، نزلت في علي أمير المؤمنين عليه السلام عندما تصدق بخاتمه على المسكين، وهو يصلي في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله حتى أن ذلك كان مسلما " عند الأصحاب في عهد النبي صلى الله عليه وآله والتابعين والشعراء السابقين، ونظموه في أشعارهم، وسنورد لك أيها القارئ اللبيب

===== Page 75 =====

بعض من نص على ذلك من علماء السنة في هذا الكتاب: 1 - قال السيوطي في الدر المنثور: أخرج الخطيب في المتفق عن ابن عباس، قال: تصدق علي بخاتمه وهو راكع، فقال النبي صلى الله عليه وآله: من أعطاك هذا الخاتم؟ قال: ذاك الراكع. فأنزل الله: (إنما وليكم الله ورسوله) الخ (1). 2 - وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه، عن عمار بن ياسر، قال وقف بعلي سائل، وهو راكع في صلاة تطوع، فنزع خاتمه فأعطاه السائل، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله فأعلمه بذلك، فنزلت على النبي صلى الله عليه وآله هذه الآية: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) فقرأها رسول الله صلى الله عليه وآله على أصحابه، ثم قال: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه) (2). 3 - وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: (إنما وليكم الله

===== Page 76 =====

ورسوله) الآية، قال: نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام. 4 - وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن عساكر، عن سلمة بن كهيل، قال: تصدق علي بخاتمه وهو راكع، فنزلت: (إنما وليكم الله ورسوله) (1) الآية. وأخرج ابن جرير، عن السدي، وعتبة بن حكيم، مثله. 5 - وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله في بيته: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) إلى آخر الآية، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فدخل المسجد، والناس يصلون بين راكع وساجد وقائم، فإذا سائل، فقال [له رسول الله صلى الله عليه وآله]: يا سائل! هل أعطاك أحد شيئا "؟ قال: لا، [إلا] ذاك الراكع - يعني عليا " عليه السلام - أعطاني خاتمه (2). 6 - وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: أتى عبد الله بن سلام، ورهط معه من أهل الكتاب نبي الله صلى الله عليه وآله عند الظهر، فقالوا: يا رسول الله! إن بيوتنا قاصية لا نجد من يجالسنا ويخالطنا دون هذا المسجد، وإن قومنا لما رأونا قد

===== Page 77 =====

صدقنا الله ورسوله، وتركنا دينهم أظهروا العداوة، أقسموا أن لا يخالطونا، ولا يآكلونا فشق ذلك علينا، فبينا هم يشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله إذ نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) الخ، ونودي، بالصلاة، صلاة الظهر، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المسجد فرأى سائلا "، فقال: هل أعطاك أحد شيئا "؟ قال: نعم. قال: من؟ قال: ذلك الرجل القائم، قال: على أي حال أعطاكه؟ قال: وهو راكع. قال: وذاك علي بن أبي طالب عليه السلام. فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله عند ذاك، وهو يقول: ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾ (1). 7 - وأخرج الگنجي الشافعي في كفاية الطالب، عن أنس بن مالك أن سائلا أتى المسجد وهو يقول: من يقرض الملي الوفي؟ وعلي عليه السلام راكع يقول بيده (2) خلفه للسائل أن اخلع الخاتم من يدي، قال [فقال] رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عمر! وجبت. قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وما وجبت؟ قال: وجبت له الجنة، والله ما خلعه من يده حتى خلعه الله من كل ذنب، ومن كل خطيئة. قال: فما خرج أحد من المسجد حتى نزل جبرئيل عليه السلام بقوله عز وجل: (إنما وليكم الله ورسوله) الآية.

===== Page 78 =====

فأنشأ حسان بن ثابت، يقول: أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي * وكل بطئ في الهدى (1) ومسارع أيذهب مدحي (2) [و] المحبر ضائعا " * وما المدح في ذات (3) الإله بضائع وأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعا " * زكاة فدتك النفس يا خير راكع [بخاتمك الميمون يا خير سيد * ويا خير شار ثم يا خير بايع] فأنزل فيك الله خير ولاية * وبينها (4) في محكمات الشرائع (5)

===== Page 79 =====

٨ - وممن روى نزول هذه الآية في أمير المؤمنين علي عليه السلام الفخر الرازي في تفسيره فإنه قال عند ذكرها: روي عن عطاء، عن ابن عباس أنها نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام، روي أن عبد الله بن سلام قال: لما نزلت هذه الآية، قلت: يا رسول الله أنا رأيت عليا " تصدق بخاتمه على محتاج وهو راكع، فنحن نتولاه (١). ٩ - وقال: أيضا ": وروي عن أبي ذر رحمه الله أنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله يوما " صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد، فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللهم اشهد أني سألت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فما أعطاني أحد شيئا "! وعلي كان راكعا "، فأومأ إليه بخنصره اليمنى، وكان فيها خاتم، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم بمرأى النبي صلى الله عليه وآله، فقال: (اللهم إن أخي موسى سألك، فقال: (رب اشرح لي صدري) إلى قوله ﴿وأشركه في أمري﴾ (٢) فأنزلت قرآنا " ناطقا " ﴿سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا "﴾ (3)، اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك، فاشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واجعل لي وزيرا " من أهلي، عليا " اشدد به ظهري). قال أبو ذر: فوالله ما أتم رسول الله صلى الله عليه وآله هذه الكلمة حتى نزل

===== Page 80 =====

جبرئيل عليه السلام، فقال: يا محمد (إنما وليكم الله ورسوله). ١٠ - وروي هذا الحديث الشبلنجي في ﴿نور الأبصار﴾ (1) مسندا " إلى أبي ذر. 11 - وممن روى نزولها في أمير المؤمنين علي عليه السلام: الواحدي في (أسباب النزول) (2). 12 - وقد صرح الزمخشري بذلك أيضا " في تفسيره (الكشاف) فقال - عند ذكر هذه الآية -: وإنما نزلت في علي كرم الله وجهه حين سأله سائل، وهو راكع في صلاته، فطرح له خاتمه كأنه كان مرجا " (3) في خنصره، فلم يتكلف لخلعه كثير عمل تفسد بمثله صلاته، إلى آخره (4). 13 - وممن روى نزولها في أمير المؤمنين عليه السلام ابن حجر العسقلاني في كتاب (الكاف الشاف في تخرج أحاديث الكاشف) في مقام تخريج الحديث قال ما لفظه: فقد رواه ابن أبي حاتم من طريق سلمة بن كهيل، قال: تصدق علي بخاتمه وهو راكع، فنزلت (إنما وليكم الله ورسوله). ولابن مردويه من رواية سفيان الثوري، عن ابن سنان، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: كان علي عليه السلام قائما " يصلي، فمر سائل

===== Page 81 =====

وهو راكع، فأعطاه خاتمه، فنزلت الآية (1). 14 - وممن روى نزولها في علي عليه السلام أبو بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي في كتاب (أحكام القرآن) فإنه أورد فيه عدة روايات دالة على نزولها في حق علي عليه السلام تنتهي أسانيدها إلى مجاهد، والسدي، وأبي جعفر، وعتبة ابن أبي حكيم، وغيرهم (2). 15 - وممن أوردها في علي عليه السلام القرطبي الأندلسي في كتابه (الجامع لأحكام القرآن) حيث نقل عن الإمام أبي جعفر باقر العلوم عليه السلام نزولها في حق مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وعن مجاهد، والسدي، وقال في آخر كلامه: (ويؤتون الزكاة وهم راكعون) يدل على أن صدقة التطوع تسمى الزكاة، فأن عليا " عليه السلام تصدق بخاتمه في الركوع، انتهى (3). 16 - وذكر رشيد رضا المصري الموطن، الوهابي المذهب، في تفسيره (المنار) ما لفظه: ورووا من عدة طرق أنها نزلت في أمير المؤمنين علي المرتضى كرم الله وجهه إذ مر به سائل، وهو في المسجد، فأعطاه خاتمه، انتهى (4). 17 - وذكر شهاب الدين الآلوسي في كتابه (روح المعاني) رواية نزول الآية الشريفة في حق مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بعدة طرق، ينتهي

===== Page 82 =====

بعضها إلى ابن عباس، وبعضها إلى عبد الله بن سلام (1) 18 - وممن نص على ذلك محب الدين الطبري في كتابه (ذخائر العقبى) وأورد روايات صحاحا " صراحا " في الباب (2). 19 - وممن نص على ذلك سبط ابن الجوزي في كتاب (التذكرة) (3). 20 - وممن نص على ذلك فخر الدين الرازي في تفسيره (مفاتيح الغيب) قال - نقلا عن جماعة -: إن هذه الآية دالة على أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله هو علي بن أبي طالب عليه السلام وتقريره أن نقول: كذلك وجب أن يكون ذلك الإمام هو علي بن أبي طالب عليه السلام (4). 21 - وقد تعرض صاحب (غاية المرام) (5) للأحاديث الواردة في نزول هذه الآية في أمير المؤمنين علي عليه السلام فأورد في ص 103 أربعة وعشرين حديثا " من طرق الشيعة. 22 - وأورد العلامة الأميني في (الغدير) أسماء ستة وستين شخصا " من أعاظم علماء السنة ممن ذكروا هذا الحديث، ونصوا على أنها

===== Page 83 =====

نزلت في أمير المؤمنين علي عليه السلام مع ذكر رواته (1). أقول: هذا ما اقتضاه الحال ووسعه المجال، من ذكر كلمات القوم في الباب (2)، وأما أصحابنا الإمامية، شيعة العترة الطاهرة، فقد

===== Page 84 =====

اتفقت كلمتهم في كتب الحديث والتفسير والكلام على نزول الآية الشريفة في حقه عليه السلام وأنه المعنى بها، لم يخالف فيه أحد، بل قد يدعى التواتر في شأن نزولها، فإذن لا مسرح ولا مساغ للتشكيك والترديد إلا أن يكون الشخص مبغضا " ناصبا "، أو سوفسطائيا " (1) في البديهيات. أقول: فتعين بهذه الآية الكريمة أن يكون الإمام والخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله هو علي بن أبي طالب عليه السلام حيث قرن تعالى ولايته بولايته وولاية رسوله، ولفظة (إنما) تفيد الحصر باتفاق أهل العربية، فتكون الولاية محصورة بهم. والمراد بالولي هنا إنما هو الأولى بالتصرف، ولا يكون أولى إلا إذا كان خليفة وإماما "، وهذا المعنى مشهور عند أهل اللغة والشرع (2)

===== Page 85 =====

فإنهم قالوا: السلطان ولي من لا ولي له، وقالوا: ولي الدم، وولي الميت، وفلان ولي أمر الرعية، وفلان ولي القاصر، وقال النبي صلى الله عليه وآله: (أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل) (١)، والمراد من الولي، في هذا كله وأمثاله هو الأولى كما قال المبرد في كتاب العبارة عن صفات الله: إن الولي هو الأولى، والولي وأن صح إطلاقه في اللغة على الناصر والمحب إلا أنهما لا يناسبان المقام لأنهما عامان غير منحصرين فيمن أريد في الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ (٢). فإن قيل: كيف يراد بالذين آمنوا الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وحده، واللفظ للعموم؟ فنقول: الجواب: أولا ": إنه قد ورد كثير في كلام العرب إطلاق لفظ الجمع وإرادة الواحد منه مع القرينة، وبالعكس، وهذا شائع ذائع بينهم، وقد جاء في القرآن المجيد أيضا " ذلك كقوله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾ (3) والمراد منه نعيم بن مسعود الأشجعي وحده بإجماع المفسرين والمحدثين. ثانيا ": إن الله تعالى قد وصف الذين آمنوا في الآية الكريمة بوصف غير شامل للجميع، وهو: (يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون).

===== Page 86 =====

ثالثا " إن أهل اللغة يعبرون بلفظ الجمع عن الواحد على سبيل التعظيم والتفخيم، كما ذكر الطبرسي في تفسير هذه الآية من مجمع البيان، قال: إن النكتة من إطلاق لفظ الجمع على أمير المؤمنين علي عليه السلام تفخيمه وتعظيمه، وذلك أن أهل اللغة [قد] يعبرون بلفظ الجمع عن الواحد على سبيل [التفخيم و] التعظيم، قال: وذلك أشهر في كلامهم من أن يحتاج إلى الاستدلال عليه (1). رابعا ": يلزم على إرادة الجميع اتحاد الولي والمتولي، واللازم اختلافهما. قال الزمخشري في الكشاف (2) بعد التصريح بنزول الآية في أمير المؤمنين عليه السلام فإن قلت: كيف صح أن يكون لعلي (رضي الله عنه) واللفظ لفظ جماعة؟ قلت: جئ به على لفظ الجمع، وإن كان السبب فيه رجلا " واحدا "، ليرغب الناس في مثل فعله، فينالوا مثل ثوابه، ولينبه على أن سجية المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البر والإحسان، وتفقد الفقراء حتى أن لزهم (3) أمر لا يقبل التأخير وهم في الصلاة لم يؤخروه، إلى الفراغ منها. فإن قيل: إن أمير المؤمنين عليه السلام كان إذا صلى يقبل على ربه بقلبه بحيث لا يشعر بشئ خارج عن الصلاة، فكيف شعر بكلام السائل وفهمه؟

===== Page 87 =====

فالجواب: إن فهمه كلام السائل لا ينافي ما كان عليه من الخشوع في صلاته إذ أنه عبادة، وما أحسن ما أجاب به أبو الفرج الجوزي حينما سئل عن ذلك، فقال: يسقي ويشرب لا تلهيه سكرته * عن النديم ولا يلهو عن الكأس أطاعه سكره حتى تمكن من * فعل الصحاة فهذا أوحد الناس وفي أسباب النزول عن الواحدي (ومن يتول) يعني يحب (الله ورسوله والذين آمنوا - يعني عليا " - فإن حزب الله) يعني شيعة الله ورسوله ووليه (هم الغالبون) يعني هم الغالبون، وفي نسخة: العالمون بدل الغالبون، وهو الظاهر (1). وفي الحساب (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) ووزنه محمد المصطفى رسول الله صلى الله عليه وآله وبعده المرتضى علي بن أبي طالب وعترته عليهم السلام وعدد حساب كل واحد منهما (ثلاثة آلاف وخمسمائة وثمانون). وفي الكافي: عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليه السلام قال: لما نزلت (إنما وليكم الله ورسوله) اجتمع نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله في مسجد المدينة، وقال بعضهم لبعض: ما تقولون في هذه الآية؟ قال بعضهم: إن كفرنا بهذه الآية كفرنا

===== Page 88 =====

بسائرها، وإن آمنا فإن هذا ذل حين يسلط علينا ابن أبي طالب! فقالوا: قد علمنا أن محمدا " صادق فيما يقول، ولكنا نتولاه ولا نطيع عليا " فيما أمرنا. قال: فنزلت هذه الآية: (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها) يعرفون يعني ولاية علي بن أبي طالب (وأكثرهم الكافرون) بالولاية (1). وفي أمالي الصدوق: قال عمر بن الخطاب: والله لقد تصدقت بأربعين خاتما " وأنا راكع لينزل في ما نزل في علي بن أبي طالب عليه السلام فما نزل (2)!! أقول: إذا عرفت مما قدمنا لك من الأدلة (سنة وشيعة) فنقول: لا يجوز تقديم غير علي على علي عليه السلام، كما لا يجوز تقديم أحد على النبي صلى الله عليه وآله إذ أن الله جل وعلا جعل محمدا " وعليا " معه في الولاية. وأما المخالفون لنا وإن عرفوا أن الآية نازلة في علي عليه السلام قطعا " - كما تقدم - إلا أنهم ينحرفون في معناها حسب ما يقتضيه مذهبهم وأهواؤهم!!

2 - آية التطهير

===== Page 89 =====

(آية التطهير) وهي قوله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا "﴾ (1). ففي تفاسير الشيعة أنها نزلت في أهل البيت عليهم السلام خاصة لا يشاركهم فيها أحد، وكذا جاء في تفاسير أهل السنة، غير أنهم يعترفون وينحرفون في معناها!! فمرة يخصونها بهم، وأخرى يشاركون معهم نساء صلى الله عليه وآله، ومرة أخرى يخصونها بهن (2)!! وهذا يخالف اللغة العربية قطعا "، لأنه لما خاطب الله جل وعلا نساء الرسول صلى الله عليه وآله أتى بضمير التأنيث قبل الولاية وبعدها، ولما أراد

===== Page 90 =====

سبحانه أن يذهب الرجس عن أهل البيت، أتى بضمير التذكير، وهو (عنكم) و (يطهركم) وهذا يعرفه صغار الطلبة، ومن له أقل شئ من العلم والأدب، بل أكثر العوام. وبعبارة أخرى: لو أن الله تعالى أراد بالآية المباركة نساء النبي صلى الله عليه وآله جميعا " لأنث الضمير، ولقال عز من قائل (عنكن) و (يطهركن) كما أنث الضمائر المتقدمة والمتأخرة لما خاطب النساء بها، فتذكير الضمير أكبر دلالة على خروج الأزواج من الآية الشريفة. وقد جاء في تفسير علي بن إبراهيم (١) عن زيد بن علي عليه السلام أنه قال: إن جهالا " من الناس يزعمون أنه إنما أراد الله بهذا أزواج النبي صلى الله عليه وآله وقد كذبوا وأثموا، وأيم الله لو عنى بها أزواج النبي صلى الله عليه وآله لقال: (عنكن الرجس ويطهركن تطهيرا) ولكان الكلام مؤنثا "، كما قال: ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن﴾ (٢) و ﴿لا تبرجن﴾ (٣) و ﴿لستن كأحد من النساء﴾ (4). إذن فلا يجوز أن تكون الآية في نساء الرسول صلى الله عليه وآله حتى ولا إشراكهن معهم، لأن الله قد هددهن قبل آية التطهير، بقوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا " جميلا " * وإن كنتن تردن الله ورسوله

===== Page 91 =====

والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا " عظيما " * يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا ") (١). وأيضا " هددهن الله بقوله: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير * عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا " خيرا " منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا "﴾ (2). هذا منطوق الآيات، وأما مفهومها فهكذا: يا نساء النبي! أنتن لستن بمؤمنات، ولا قانتات، ولا تائبات من ذنوبكن، ولا عابدات ولا سائحات... الخ، وذلك إن بقيتن على إيذائه صلى الله عليه وآله (3). وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وآله قد هجرهن شهرا " لإيذائهن له صلى الله عليه وآله (4)، راجع تفاسير السنة أجمع، ومن الواضح أن فيهن من حاربت عليا " والحسن والحسين عليهم السلام وحربهم حرب الله بنص من رسول الله (5)، ولا

===== Page 92 =====

تنسى أن عائشة لما قادت قوة مسلحة في تشييع الحسن عليه السلام لمنعهم من دفنه مع النبي صلى الله عليه وآله (1) ولو بقيت ليوم الحسين عليه السلام لربما انتدبها ابن ميسون لحرب الحسين عليه السلام لما يعلم من رأيها في الخروج لقتال أهل البيت عليهم السلام للإصلاح بين الأمة، لذلك خاطبها ابن عباس (رض) كما في الصوارم بقوله: تجملت تبغلت ولو عشت تفيلت * لك التسع من الثمن وبالكل تملكت (2) أي تملكت حجرتك مع أن لك تسع ثمنها وباقي الثمن لزوجاته صلى الله عليه وآله وسبعة أثمانه لفاطمة عليها السلام، ثم لولدها عليهم السلام فإذا كان بعض نسائه سامحها الله هكذا، فكيف يدخلن في آية التطهير من الذنوب؟! وقد ورد أن عائشة قالت له مرة في كلام غضبت عنده: أنت الذي

===== Page 93 =====

تزعم أنك نبي الله (1)!! فبالله عليك أيقال مثل هذا لرسول الله صلى الله عليه وآله؟! أفيليق مع أفعالهن المخالفة لآداب الزوجية، فضلا " عن كونه رسول الله صلى الله عليه وآله أن يشركن أهل البيت في التطهير من الرجس وهن منغمسات فيه؟! ولو كانت شاملة لنساء النبي صلى الله عليه وآله خصوصا " عائشة، لطبلت وزمرت، وأسمعت الأحياء جميعا " حتى الموتى، ثم لو أريد الأزواج منها على نحو الاختصاص أو الاشتراك مع الخمسة، لكانت أم سلمة أحق بالدخول لمنزلتها عند رسول الله صلى الله عليه وآله ونزول الآية في بيتها (فلما لم يردن) أخرجها رسول الله صلى الله عليه وآله بجذب الكساء (2) من يدها - وبقوله حينما سألته: ألست من أهلك؟ -: (لا، قفي مكانك وأنت إلى خير) كما أخرج عائشة وزينب بمنعهما من الدخول معهم وأجابهما بمثل ما أجاب به أم سلمة. وما غشى رسول الله صلى الله عليه وآله عليا " وفاطمة والحسنان بالكساء، وألوى يده عليهم مخاطبا " لهم: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ") إلا ليفصلهم عن غيرهم من المسلمين أجمع، أزواجه وغيرهن. وقوله: (اللهم هؤلاء أهل بيتي، وفي رواية: أهلي) أي لا

===== Page 94 =====

غيرهم، فالمفسر للآية رسول الله صلى الله عليه وآله فأي تفسير يقبل بعد تفسيره؟ أيخرج نساءه من جاء بالقرآن، ويدخلهن من لا يعلم تأويله؟! وأيضا " أن أكبر دليل على عدم كون نساء النبي صلى الله عليه وآله من أهل بيته عدم إخراجه لهن يوم باهل نصارى نجران، وكان قد وعدهم بإخراج نسائه على ما حكاه القرآن بقوله: ﴿فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم﴾ (1). كما خطب سيد النصارى حزبه، فقال: إن خرج محمد صلى الله عليه وآله بأهل بيته، فلا تباهلوه، وإن خرج بأصحابه فباهلوه. وبإجماع من المفسرين والمؤرخين أن النبي صلى الله عليه وآله لم يخرج معه للمباهلة سوى (علي وفاطمة وابنيهما الحسنين عليهم السلام) فانجلى أنهم أهل بيته دون غيرهم، ولو وجد سواهم لأخرجه النبي صلى الله عليه وسلم يباهل به في أعظم موقف تنازع فيه الحق والباطل. فهؤلاء الذين باهل بهم النبي صلى الله عليه وآله نصارى نجران هم الذين أذهب الله عنهم الرجس في القرآن المجيد، على أن المتبادر من لفظة (أهل البيت) عند إطلاقها: العترة الطاهرة عليهم السلام وهم: (علي، وفاطمة، والحسن، والحسين عليهم السلام) ولا دخل للأزواج فيها، ولذا أطلقها النبي صلى الله عليه وآله عليهم مذ أوصى بهم، وأبان فضلهم في أحاديثه المتواترة المروية في صحاح المسلمين ومسانيدهم، ولم يحتمل أحد دخول الأزواج تحت تلك الأحاديث،

===== Page 95 =====

فمنها الحديثان العظيمان المعتبران، اللذان رواهما جمهور المسلمين: الأول: حديث (الثقلين) (1) وهو قول النبي صلى الله عليه وآله: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا ") (2). الثاني: حديث (السفينة) (3) وهو قوله صلى الله عليه وآله: (مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى) (4). هذا وقد أصبح ذلك أمرا " مفروغا " منه لدى المسلمين، فتراهم ينادون في محافلهم بمديح أهل البيت عليهم السلام، ويطلقونها عليهم، ولا يخطر ببالهم شمولها للأزواج. وقد نظم شعراء الفريقين أشعارا " في مدح أهل البيت عليهم السلام، وخصوها بالخمسة أهل الكساء ليس إلا، ولم نسمع شاعرا " واحدا "

===== Page 96 =====

أدخل في شعره غير هؤلاء الخمسة الأطهار. أنظر إلى تصريح الإمام الشافعي في قوله: يا أهل بيت رسول الله حبكم * فرض من الله في القرآن أنزله كفاكم من عظيم القدر أنكم * من لم يصل عليكم لا صلاة له (1) ويقصد من أهل البيت (علي وفاطمة والحسنان عليهم السلام) وهكذا غيره من الألوف المألفة من أئمة السنة والجماعة، فإنهم صرحوا أيضا " بأن المقصود منها (عترة المصطفى، وسلالة المرتضى) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ". نعم أتانا حثالة من حثالة القوم كعكرمة البربري، ومقاتل وغيرهما ممن عرفوا بالكذب على صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله ودسوا أحاديثا " مفتعلة كثيرة، فإليك يا رب المشتكى منهم، ولقد صح عنه صلى الله عليه وآله: (ستكثر علي الكذابة) (2) وقال صلى الله عليه وآله:

===== Page 97 =====

من كذب علي متعمدا " فليتبوأ مقعده من النار) (1). وظاهر أن اختصاص الأزواج أو إشراكهن مع أهل البيت في هذه الآية الكريمة مفتعل ضد أهل البيت عليهم السلام، وكثيرا " ما أتوا بما يضاد أهل البيت بالمفتعلات، والأمر واضح، فيجب حذف تلك الأحاديث المدخولة من الوضاعين الدجالين، وتطهير كتب السير والتواريخ منها. إذن يتحتم أن تكون (آية التطهير) وإذهاب الرجس عنهم خاصا " بأئمة الهدى من العترة الطاهرة عليهم السلام، الذين هم ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وريحانته، فهم أحق بها وأهلها، وتفيدنا أيضا " لفظة (إنما) المفيدة للحصر إيضاحا ". وقد ظهر أيضا " بوضوح أن هذه الآية الكريمة دالة على تنزيه عترة النبي صلى الله عليه وآله الأدنين، وهم أهل بيته (علي وفاطمة والحسنين عليهم السلام) من العيوب وعصمتهم من الذنوب، وسيأتي في كتابنا هذا أن الإمامة لا تليق إلا بمن كان نزيها " كذلك من كل عيب وذنب، فثبتت بذلك إمامة

===== Page 98 =====

علي عليه السلام وبنيه عليهم السلام قاموا بالأمر أم قعدوا لعدول الناس عنهم، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا) (1) يعني أنهما منصوبان من قبل الله تعالى ومن كان كذلك لا يخدش بإمامته عدول الناس عنه، وتوليتهم الأمر لغيره، فإن الإمامة ليست بتولية الناس، بل بنص الله وتوليته. وقد أورد الإمام البحراني في (غاية المرام) أكثر من مائة وعشرين حديثا " في حصر أهل البيت عليهم السلام بهم دون نساء النبي صلى الله عليه وآله، ثلثها تقريبا " من طرق السنة، فراجع. وقد روى السيوطي في تفسير الدر المنثور (2) على أن نزول الآية في الخمسة (أهل الكساء) وذلك بعشرين طريقا ". كما رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (جامع البيان) (3) بستة عشر طريقا "، وقد ذكر السيد الأجل آية الله النسابة السيد شهاب الدين المرعشي النجفي في تعليقاته على إحقاق الحق للإمام السعيد الشهيد القاضي نور الله التستري رحمه الله روايات عديدة، وأحاديث كثيرة (4)، كلها من طرق السنة والجماعة على أنها نزلت في الخمسة أهل الكساء.

===== Page 99 =====

ورواها جل المفسرين والمؤرخين، وأهل السير، وعولوا عليها في تصريحاتهم باختصاص الآية الشريفة بالخمسة (أهل الكساء) ولزيادة الإيضاح وتتميما " للفائدة نذكر ما يتيسر لنا ذكره من تلك الأحاديث هنا إن شاء الله. أخرج الإمام أحمد في مسنده (1) عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وآله كان يمر ببيت فاطمة عليها السلام ستة أشهر إذا خرج إلى الفجر، فيقول: (الصلاة يا أهل البيت، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ") انتهى. وأخرجه الواحدي في تفسير الآية من كتابه (2). وأخرجه ابن جرير في تفسير الآية من تفسيره الكبير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والطبراني وغيرهم. وأخرج الترمذي، والحاكم وصححاه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في سننه من طرق عديدة، عن أم سلمة قالت: في بيتي نزلت هذه الآية، وفي البيت علي وفاطمة والحسن والحسين، فجللهم رسول الله صلى الله عليه وآله بكساء كان عليه، ثم قال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ") انتهى. وأخرج مسلم في باب فضائل أهل البيت عليهم السلام من صحيحه (3) عن

===== Page 100 =====

عائشة، قالت: خرج رسول الله غداة، وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا "). وهذا الحديث أخرجه أحمد من حديث عائشة في مسنده، وأخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم، وصاحب الجمع بين الصحيحين، وصاحب الجمع بين الصحاح الستة، ومن أراد المزيد فعليه ب‍ (رشفة الصادي) لأبي بكر شهاب الدين، على أن في هذا المقدار كفاية لأولي الألباب، ولسيدنا الشريف المفدى الإمام شرف الدين بيان وبرهان في اختصاص آية التطهير بالخمسة أهل الكساء في صفحة 12 من كتابه (الكلمة الغراء) فراجع. ولا بأس في هذا المقام أن نذكر نبذة من النصوص المصرحة بخروج نساء النبي صلى الله عليه وآله عن الآية الشريفة، ولا ينافي بين هذه النصوص والتي مضت في اختصاص الآية في الخمسة عليهم السلام وإنما أوردناها هنا لما فيها من تصريح النبي صلى الله عليه وآله في إخراج أزواجه منها: روى أحمد بن حنبل في مسنده (1) عن عبد الملك، عن عطاء بن أبي رياح، قال: حدثني من سمع أم سلمة تذكر أن النبي صلى الله عليه وآله كان في

===== Page 101 =====

بيتها فأتته فاطمة ببرمة فيها خزيرة (1) فدخلت بها عليه، فقال لها: (ادعي زوجك وابنيك). قالت: فجاء علي والحسن والحسين، فدخلوا فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة، وهو على منامة له على دكان (2)، وتحته كساء خيبري، قالت: وأنا أصلي في الحجرة، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا "). قالت: فأخذ فضل الكساء، فغشاهم به، ثم أخرج يده، فألوى بها إلى السماء، ثم قال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ")، قالت: فأدخلت رأسي البيت، فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ قال: (إنك إلى خير، إنك إلى خير). وقال أحمد بعد إيراده الحديث: قال عبد الملك: وحدثني أبو ليلى، عن أم سلمة مثل حديث عطاء سواء. قال عبد الملك: وحدثني داود بن أبي عوف الجحاف، عن حوشب، عن أم سلمة بمثله سواء.

===== Page 102 =====

وأورد هذا الحديث ابن كثير في تفسيره (1). وأورده عن عطاء الواحدي في (أسباب النزول) (2). وأورده عن الواحدي ابن الصباغ المالكي في (الفصول المهمة) (3). وأورده في (الطرائف) ص 30 عن الثعلبي، ومسند ابن حنبل بتفاوت يسير في بعض ألفاظه. وقال السيوطي في الدر المنثور (4): أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، عن أم سلمة (رض) زوج النبي صلى الله عليه وآله: أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان في بيتها على منامة له، عليه كساء خيبري، فجاءت فاطمة ببرمة فيها خزيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ادعي لي زوجك وابنيك حسنا " وحسينا "). فدعتهم، فبينما هم يأكلون إذ نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا "). فأخذ النبي صلى الله عليه وآله بفضلة إزاره، فغشاهم إياه، ثم أخرج يده من الكساء، وأومأ بها إلى السماء، ثم قال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ") قالها ثلاث مرات. قالت أم سلمة (رض): فأدخلت رأسي في الستر، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا معكم؟ فقال (إنك إلى خير) مرتين. وروى هذا الحديث سيدنا ومولانا الإمام الأكبر السيد المحسن

===== Page 103 =====

الأمين في (أعيان الشيعة) (1) عن أسد الغابة. وقال في الدر المنثور (2) أيضا ": أخرج الطبراني، عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لفاطمة عليها السلام: (آتيني بزوجك وابنيه)، فجاءت بهم، فألقى رسول الله صلى الله عليه وآله عليهم كساء فدكيا "، ثم وضع يده عليهم، ثم قال: (اللهم إن هؤلاء أهل محمد - وفي لفظ: آل محمد - فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) قالت أم سلمة رضي الله عنها: فرفعت الكساء لأدخل معهم مجيد) قالت أم سلمة رضي الله عنها: فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي، وقال: (إنك على خير). وأورد هذا الحديث أحمد بن حنبل في مسنده (3) عن أم سلمة، وأورده أيضا " الكنجي الشافعي في (كفاية الطالب) (4) عن أحمد في وأورده الطبري في (ذخائر العقبى) (5) وقال بعد إيراده: أخرجه الدولابي في (الذرية الطاهرة). وأورد أيضا " هذا الحديث [المتقي الهندي] في (كنز العمال) (6) وابن كثير في تفسيره (7) وابن الصباغ المالكي في (الفصول المهمة) (8)

===== Page 104 =====

والترمذي في صحيحه (1) والقندوزي الحنفي في (ينابيع المودة) (2) والشبلنجي الشافعي في (نور الأبصار) (3) والشيخ محمد الصبان في (إسعاف الراغبين) بهامش نور الأبصار (4) وغير هؤلاء من أعاظم علماء السنة، ممن يطول الكلام بتعداد أسمائهم، وذلك بتفاوت يسير في بعض ألفاظ الحديث (5).

===== Page 105 =====

ففي هذه النصوص الصحيحة المتواترة، المروية لدى عامة المسلمين، دلالات واضحة، وحجج قاطعة، وبراهين ساطعة، على خروج أزواج النبي صلى الله عليه وآله من الآية الشريفة، ونزولها في الخمسة: أصحاب الكساء دون غيرهم، ولا ينكر ذلك إلا متعصب لغير الحق. وما أوردناه هنا من خروج الأزواج من آية التطهير، ونزولها في الخمسة (أهل الكساء) عليهم السلام كاف في رد من زعم أنها في الأزواج على نحو الاختصاص أو الاشتراك، وأن أردت المزيد على ما قدمنا لك فعليك بمراجعة كتابنا (الشيعة وحجتهم في التشيع). أقول: فقد ثبت مما ذكرنا أن آية التطهير مختصة بالخمسة أصحاب الكساء، ودالة أيضا " على عصمتهم من جميع الذنوب

===== Page 106 =====

والآثام، مما ينغمس فيه غيرهم من كبائر الذنوب وصغارها، وتحقق وثبت أيضا " أن الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بلا فصل هو علي بن أبي طالب عليه السلام وبعده الحسن، ثم الحسين، ثم التسعة من ولد الحسين متتابعين حسب النصوص الثابتة لدى الفريقين، ودليلنا على مدعانا أمران: الأمر الأول: العصمة، فهي شرط في الإمام عند الشيعة إذ أن الإمام الذي يقتدى به، ويؤخذ منه بعد النبي صلى الله عليه وآله إن لم يكن معصوما " لم يحصل الوثوق بقوله، ولا الاطمئنان بصدقه، وثبوت عصمة الإمام هو ثبوت عصمة النبي صلى الله عليه وآله. وقد دلت الآية على عصمة الإمام أمير المؤمنين وولديه الحسنين عليهم السلام فتعين أن تكون الخلافة لهم دون غيرهم، وهم الأئمة والخلفاء بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وكل واحد منهم نص على الإمام من بعده، وهكذا إلى الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه، فيجب الأخذ بقولهم، مع أن غيرهم ليس بمعصوم، وإذا انتفت العصمة ثبت الخطأ والصواب، فلا يصح أن يكون خليفة يتصرف بشريعة الرسول صلى الله عليه وآله. الأمر الثاني: إن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قد تكرر منه ادعاء الخلافة لنفسه في مواطن كثيرة في كتب التاريخ كما ثبت عنه في خطبته (الشقشقية) الثابتة لدى جمهور المسلمين إذ يقول فيها: لقد تقمصها ابن أبي قحافة، وإنه ليعلم أن محلي منها محل

===== Page 107 =====

القطب من الرحى، ينحدر عني السيل، ولا يرقى إلى الطير (1). وأيضا " ادعى الخلافة لأمير المؤمنين علي عليه السلام بنت الرسول وبضعته الزهراء الطاهرة المطهرة الصديقة سيدة نساء العالمين، وابناها الحسن والحسين والتسعة من أولاد الحسين عليه السلام فيجب على الأمة جمعاء تصديقهم لعصمتهم، ولا يجوز عليهم الكذب إذ أن الكذب رجس، وهو منفي عنهم بالآية الشريفة، فظهر بوضوح ثبوت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي بن أبي طالب عليه السلام. هذا ولم تنحصر أدلة الخلافة بهذه الآية الشريفة فحسب، بل إنه قد استفاضت الأدلة، وتواترت الحجج والبراهين بكثرة لا تحصى حتى اعترف بها المناوئ لهم وعرفها القريب والبعيد، وألف فيها المؤالف والمخالف سلفا " وخلفا " كتبا " بكثرة لا تحصى. وقد جمع مولانا شيخ الشيعة، وإمام الشريعة، آية الله العظمى الإمام محمد بن يوسف بن المطهر المشتهر: بالعلامة الحلي) رحمه الله ألفي دليل بأن عليا " عليه السلام هو الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وذلك ألفا " من الأدلة العقلية، وألفا " من الأدلة النقلية، وأسماها (الألفين) فراجع.

3 - آية المباهلة

===== Page 108 =====

(آية المباهلة) وهي قوله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين) (1). فقد أجمع المفسرون على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم بنزولها في الخمسة الأطهار: محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين عليهم السلام. فهناك رجال الصحابة برمتهم، فلم يدع أحدا " منهم غير علي والحسنين عليهم السلام من الرجال. ثم هناك أمهات المؤمنين، والهاشميات، فلم يدع منهن واحدة سوى بضعته الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام من النساء. ولا يخفى على ذي بصيرة أن المراد من الأنفس هنا: هو أخو رسول الله صلى الله عليه وآله الذي كان منه بمنزلة هارون من موسى، الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام إذ جعله الله تعالى في هذه الآية الكريمة نفس محمد صلى الله عليه وآله. ولعمر الله إنها لفضيلة عظيمة، خصهم الله بها دون من سواهم من

===== Page 109 =====

الأمة، فقد ذكر ابن حجر في صواعقه رواية عن الدارقطني: أن عليا " يوم الشورى احتج على أهلها، فقال لهم: أنشدكم بالله، هل فيكم أحد أقرب إلى رسول الله في الرحم مني، ومن جعله صلى الله عليه وآله نفسه وأبناءه أبناءه، ونساءه نساءه غيري؟ قالوا: اللهم لا، الحديث (1). وقال الشاعر في مدح الإمام عليه السلام: وهو في آية التباهل نفس ال‍ * مصطفى ليس غيره إياها ثم إن حديث المباهلة معروف مشهور، وقد ذكره المفسرون والمحدثون، وأهل السير والأخبار، وكل من أرخ حوادث السنة العاشرة للهجرة، وهي سنة المباهلة. قال الرازي بعد إيراده في تفسيره الكبير: واعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث... الخ (2). وذكر الزمخشري في تفسيره (الكشاف) (3): حول تفسير آية المباهلة، قال: وروي أنهم لما دعاهم إلى المباهلة، قالوا: حتى نرجع وننظر. فلما تخالوا، قالوا للعاقب (4)، وكان ذا رأيهم:

===== Page 110 =====

يا عبد المسيح! ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا " نبي مرسل، وقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيا " قط فعاش كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكن، فإن أبيتم إلا إلف دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل، وانصرفوا إلى بلادكم. فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وقد غدا محتضنا " الحسين، آخذا " بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي خلفها، وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمنوا. فقال أسقف نجران (1): يا معشر النصارى! إني لأرى وجوها " لو شاء الله أن يزيل جبلا " من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة. فقالوا: يا أبا القاسم! رأينا أن لا نباهلك، وأن نقرك على دينك، ونثبت على ديننا. قال: فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا، يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم. فأبوا، قال: فإني أناجزكم، فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا، ولا تخيفنا، ولا ترددنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة: ألف في صفر، وألف في رجب، وثلاثين درعا " عادية من حديد.

===== Page 111 =====

فصالحهم على ذلك، وقال: والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولولا عنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي نارا "، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا). وعن عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج وعليه مرط مرجل (1) من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة، ثم فاطمة، ثم علي، ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ") إلى أن قال بعد ذلك: وفيه دليل لا شئ أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام (2). أقول: فيا لها من مكرمة تنبلج لها الصدور، ومنقبة عظيمة لم ينلها أحد قبلهم ولا بعدهم.

===== Page 112 =====

واعلم أن الأحاديث المعتبرة الواردة متواترة في نزول هذه الآية الشريفة، في شأن أهل البيت: علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، وذكرها المفسرون والمحدثون، وأهل السير والأخبار، وكل من أرخ حوادث السنة العاشرة للهجرة، وهي سنة المباهلة، وها أنا ذا أقدم لقارئنا الكريم - لزيادة الاطلاع - بعض من أورد ذلك من أئمة أهل السنة والجماعة، فمنهم: 1 - الحافظ أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن عباد - وتقاربا في اللفظ - قالا: حدثنا حاتم - وهو ابن إسماعيل - عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا "، فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثا " قالهن له رسول الله صلى الله عليه وآله فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة أحب إلي من حمر النعم - إلى أن قال -: ولما نزلت هذه الآية (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا " وفاطمة وحسنا " وحسينا "، فقال: اللهم هؤلاء أهلي (1). 2 - ومنهم: أحمد بن حنبل في كتابه المسند (2): حدثنا عبد الله، قال: حدثني أبي قال: حدثنا قتيبة بن سعيد،

===== Page 113 =====

حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول له، وقد خلفه في بعض مغازيه - إلى أن قال -: ولما نزلت هذه الآية (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا " وفاطمة وحسنا " وحسينا "، فقال: اللهم هؤلاء أهلي. 3 - ومنهم: الطبري في تفسيره فقد أخرج أحاديث كثيرة في ذلك من طرق عديدة، عن زيد ين علي، وعن السدي، وقتادة، وعن ابن زيد، وعن اليشكري (1). 4 - ومنهم السيوطي في (الدر المنثور) عن جابر، وقال في آخره: قال جابر: (وأنفسنا وأنفسكم) رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي (وأبناءنا) الحسن والحسين (ونساءنا) فاطمة (2). 5 - ومنهم: الواحدي في (أسباب النزول) وقال في آخره: قال الشعبي: (أبناءنا) الحسن والحسين (ونساءنا) فاطمة (وأنفسنا) علي بن أبي طالب رضي الله عنهم (3). 6 - القندوزي الحنفي في (ينابيع المودة) من طرق شتى على أن عليا " عليه السلام نفس رسول الله حسب نص الآية الكريمة (4).

===== Page 114 =====

7 - ومنهم: الشبلنجي في نور الأبصار (1) أن المراد بنسائنا فاطمة، وبأبنائنا الحسن والحسين، وبأنفسنا نفسه صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام. 8 - ومنهم: الطبري في ذخائر العقبى (2). 9 - ومنهم: الگنجي الشافعي في كفاية الطالب (3). 10 - ومنهم: الحاكم في المستدرك (4). 11 - ومنهم: أبو نعيم في كتابه دلائل النبوة (5). 12 - ومنهم: البغوي صاحب معالم التنزيل (6). 13 - ومنهم: فخر الدين الرازي في تفسيره (7). 14 - ومنهم: الذهبي في تلخيصه، ط. ذيل مستدرك الحاكم (8). 15 - ومنهم الجزري الشهير بابن الأثير في كتاب أسد الغابة (9). 16 - ومنهم: سبط ابن الجوزي في التذكرة (10). 17 - ومنهم: القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (11).

===== Page 115 =====

18 - ومنهم: البيضاوي في تفسيره (1). 19 - ومنهم: ابن حجر العسقلاني في الإصابة (2). 20 - ومنهم: الشيخ محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول (3) فإنه قال ما لفظه: أما آية المباهلة، فقد نقل الرواة الثقات والنقلة الأثبات نزولها في حق علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، إلى آخر ما قال. ومنهم، ومنهم، ومنهم، إلى كثير وكثير مما لا يسعنا درج أسمائهم في مؤلفنا هذا، فإن هؤلاء جميعا " أثبتوا في مؤلفاتهم بطرق عديدة معتبرة أن هذه الآية الكريمة نزلت في الخمسة الأطهار عليهم السلام (4). هذا وقد تعرض سيدنا الإمام البحراني في (غاية المرام) ص 300 لآية المباهلة، ونزولها في علي وفاطمة والحسنين عليهم السلام، فأورد في

===== Page 116 =====

ذلك تسعة عشر حديثا " من طرق أهل السنة والجماعة، كما أورد خمسة عشر حديثا " من طرق الشيعة. وقد ذكر سيدنا الأجل آية الله الحجة، السيد شهاب الدين المرعشي النجفي في تعليقاته على إحقاق الحق للإمام السعيد الشهيد القاضي نور الله التستري رحمه الله كثيرا " من أئمة السنة والجماعة الذين تطرقوا إلى مدارك نزول آية المباهلة في شأن الخمسة الأطهار عليهم السلام فراجع (1).

===== Page 117 =====

أقول: فظهر من هذه الآية الشريفة أن الخليفة يجب أن يكون بعد رسول الله صلى الله عليه وآله هو علي بن أبي طالب عليه السلام حيث جعله الله نفس محمد صلى الله عليه وآله بعلمه وأخلاقه، وكرمه وشجاعته، وحلمه ووفور أخلاقه الحسنة، ومواهبه الكريمة، وعطفه على الضعفاء، وشدته على ذوي الظلم والطغيان، ومنزلته الرفيعة التي أقامه الله بها ما عدا النبوة بدليل قوله صلى الله عليه وآله: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي من بعدي) (1) فلا يجوز تقديم أحد عليه مطلقا "، لأن المتقدم عليه كالمتقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وهذا غير سائغ شرعا "، فتنبه وانصف.

4 - آية المودة

===== Page 118 =====

(آية المودة) وهي قوله تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا " إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا " إن الله غفور شكور﴾ (1). فقد اتفق المفسرون من الشيعة جميعا " على نزول هذه الآية الكريمة خاصة في أهل البيت عليهم السلام: علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام. وهكذا جاء في تفاسير السنة والجماعة، وصحاحهم ومسانيدهم لكنهم مع اعترافهم بنزولها في العترة الطاهرة، ترى طائفة ضئيلة (2) منهم يتعمدون الخلاف، ويفسرونها على خلاف ما أنزل الله!! أما أهل البيت، فقد أجمعوا وكذا أولياؤهم قد اتفقوا في كل سلف وخلف على أن القربى هنا هم قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله (علي وفاطمة

===== Page 119 =====

والحسن والحسين عليهم السلام) فهم ألصق الناس برسول الله صلى الله عليه وآله. وأما الحسنة الواردة في الآية، إنما هي مودتهم وموالاتهم، وإن الله تعالى غفور شكور لأهل ولايتهم، وهذا متفق عليه عندنا لا يختلف فيه اثنان، وهو من الضروريات عندنا أيضا " المفروغ منها، وقد جاءت أحاديث معتبرة بذلك عن العترة الطاهرة. وسنقدم لقارئنا الكريم طائفة من الأحاديث المأثورة عن غيرهم من أهل السنة والجماعة فقط. أخرج أحمد في المناقب، والطبراني، والحاكم، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - كما نص عليه ابن حجر في تفسير الآية 14 من الآيات التي أوردها في الفصل الأول من الباب 11 من صواعقه، قال: لما نزلت هذه الآية، قالوا: يا رسول الله! من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال صلى الله عليه وآله: (علي، وفاطمة، وابناهما) انتهى. وهذا الحديث أخرجه عن ابن عباس أيضا ": ابن المنذر، وابن مردويه (1)، والمقريزي (2)، والبغوي، والثعلبي، في تفاسيرهم، والسيوطي (3) في الدر المنثور، والحافظ أبو نعيم في حليته، والواحدي، وابن المغازلي في المناقب.

===== Page 120 =====

ورواه الزمخشري في الكشاف (1) ومحب الدين الطبري في الذخائر (2)، والنيسابوري في تفسيره، والحمويني في الفرائد، وابن طلحة الشافعي في مطالب السؤول (3) وصححه، والرازي في تفسيره، وأبو السعود في تفسيره (هامش تفسير الرازي) (4)، والنسفي في تفسيره (هامش تفسير الخازن) (5)، وأبو حيان في تفسيره (6)، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة (7)، والحافظ الهيثمي في المجمع (8)، والگنجي الشافعي في كفاية الطالب (9)، والقسطلاني في المواهب، وقال: ألزم الله مودة قرباه كافة بريته، وفرض محبة جملة أهل بيته المعظم وذريته، فقال تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا " إلا المودة في القربى). ورواه: الزرقاني في شرح المواهب (10)، والشبلنجي في نور الأبصار (11)، والصبان في الإسعاف بهامش نور الأبصار (12)، وابن حجر في الصواعق (13) والسيوطي في إحياء الميت بهامش الإتحاف (14).

===== Page 121 =====

وروى البخاري في صحيحه (1) عن ابن عباس (رض)، أنه سئل عن قوله: (إلا المودة القربى) فقال سعيد بن جبير: قربي آل محمد صلى الله عليه وآله. وروى الطبري في نفسه (2) عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا " إلا المودة في القربى) قال: هي قربى رسول الله صلى الله عليه وآله. وروى ابن حجر العسقلاني في (الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف) (3) قال: أخرج الطبراني، وابن أبي حاتم، والحاكم في مناقب الشافعي من رواية حسين الأشقر، عن قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قيل: يا رسول الله! من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: (علي، وفاطمة، وابناهما). وروى القندوزي الحنفي في ينابيع المودة، قال: أخرج أحمد في مسنده بسنده، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنه، نزول الآية في الخمسة (4). وأخرج الطبراني في معجمه الكبير أيضا " نزول الآية في الخمسة. وأخرج ابن أبي حاتم أيضا " في تفسيره نزول الآية في الخمسة.

===== Page 122 =====

وأخرج الواحدي في الوسيط أيضا " نزول الآية في الخمسة. وأخرج الحاكم في المناقب أيضا " نزول الآية في الخمسة. وأخرج أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء أيضا " نزول الآية في الخمسة. وأخرج الثعلبي في تفسيره أيضا " نزول الآية في الخمسة. وأخرج الحمويني في فرائد السمطين أيضا " نزول الآية في الخمسة. وروى أبو بكر بن شهاب الدين الشافعي في كتابه (رشفة الصادي) (١) أخرج الملا في (سيرته حديث: (إن الله جعل أجري عليكم المودة في القربى، وإني سائلكم عنهم غدا "). وأخرجه أحمد في (المناقب) والطبراني في (الكبير) وغيرهما، عن ابن عباس (رض) قال: لما نزلت هذه الآية: (قل لا أسألكم عليه أجرا " إلا المودة في القربى) قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: (علي، وفاطمة، وابناهما). ونقل البغوي في تفسيره، والثعلبي وجزم به، عن ابن عباس (رض) قال: لما نزل قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا " إلا المودة في القربى) قال قوم في نفوسهم: ما يريد إلا أن يحثنا على أقاربه!! فأخبر جبرئيل النبي صلى الله عليه وآله إنهم اتهموه، فأنزل: ﴿أم يقولون افترى على الله كذبا "﴾ (٢) فقال القوم: يا رسول الله! نشهد أنك صادق. فنزل ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ (3).

===== Page 123 =====

أخرج الطبراني في الأوسط والكبير، عن أبي الطفيل خطبة الحسن عليه السلام وفيها: وإنا من أهل البيت الذين افترض الله سبحانه مودتهم وولايتهم، فقال فيما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله: (قل لا أسألكم عليه أجرا " إلا المودة في القربى). وفي رواية: وإنا من أهل البيت الذين افترض الله مودتهم على كل مسلم، وأنزل فيهم (قل لا أسألكم عليه أجرا " إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ") واقترف الحسنة: مودتنا أهل البيت. وروى السدي، عن ابن عباس (رض) في قوله تعالى: (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ") قال: المودة في القرآن لآل محمد صلى الله عليه وآله. وأخرج الحاكم في المستدرك (1) بحذف أسانيده عن عمر بن علي، عن أبيه، عن علي بن الحسين، قال: خطب الحسن بن علي الناس حين قتل علي عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه - إلى أن قال -: وإنا من أهل البيت الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وإنا من أهل البيت الذي افترض الله مودتهم على كل مسلم، فقال تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وآله: (قل لا أسألكم عليه أجرا " إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ") فاقتراف الحسنة: مودتنا أهل البيت.

===== Page 124 =====

الحافظ الذهبي في تلخيص المستدرك (1) بهامش المستدرك أورد الحديث المذكور المتقدم عن المستدرك. وأخرج الزمخشري في تفسير الكشاف (2) قال: روي أنهما لما نزلت، قيل: يا رسول الله! من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: (علي وفاطمة وابناهما). وروي عن علي عليه السلام قال: شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله حسد الناس لي، فقال: أما ترضى أن تكون رابع أربعة: أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين،... الخ. ورواه الكريمي، عن عائشة بسنده، عن علي عليه السلام. ورواه الطبراني من حديث أبي رافع، تخريج الكشاف. عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي) رواه الثعلبي من حديث علي عليه السلام تخريج الكشاف. وروى الخوارزمي في كتابه (مقتل الحسين) (3) نزول الآية في الخمسة، بعين العبارة المتقدمة. وروى ابن بطريق في (العمدة) (4) من (مسند أحمد) بحذف الأسانيد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نزول الآية في الخمسة بعين العبارة المتقدمة.

===== Page 125 =====

وروى محمد بن طلحة الشافعي في (مطالب السؤول) (1) قال ما لفظه: أما كونهم ذوي القربى، فقد صرح نقلة الأخبار المقبولة، وأوضح حملة الآثار المنقولة في مسانيد ما صححوه، وأساليب ما أوضحوه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه) الخ قالوا: يا رسول الله! من هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال صلى الله عليه وآله: (علي، وفاطمة، وابناهما). ومن جملة من نقل ذلك: الإمامان: الثعلبي، والواحدي، وكل واحد منهما رفعه بسنده، روى الثعلبي أن رسول الله صلى الله عليه وآله نظر إلى علي وفاطمة والحسن والحسين، فقال: (أنا حرب لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم). وروى الحجازي في تفسيره الواضح (2) قال ما لفظه: وقيل: هم علي وفاطمة وابناهما - إلى أن قال -: روي هذا المعنى عن رسول الله وهو المبين عن الله عز وجل. وروى الگنجي الشافعي في (كفاية الطالب) (3) بحذف الأسانيد، عن جابر بن عبد الله، قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد! أعرض علي الإسلام. فقال: (تشهد أن لا إله لا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا " عبده ورسوله).

===== Page 126 =====

قال: (لا، إلا المودة في القربى). قال: قرابتي أو قرابتك؟ قال: (قرابتي). قال هات أبايعك، فعلى من لا يحبك ولا يحب قرابتك لعنة الله. فقال النبي صلى الله عليه وآله: (آمين). إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة المتواترة الواردة من طرق السنة والجماعة، راجع كتبهم تجدها بكثرة مدهشة، وقد جمع سيدنا الشريف آية الله النسابة السيد شهاب الدين المرعشي النجفي في تعليقاته على إحقاق الحق للإمام السعيد الشهيد القاضي نور الله التستري (1) أحاديث كثيرة من مصادر القوم (السنة) مع ذكر رواتهم فراجع، وهكذا شيخنا الحجة المجاهد الكبير فخر الشيعة العلامة الأميني في كتابه الغدير (2) فراجع.

===== Page 127 =====

فلله در كتب القوم (السند) فإنها أثبت مدعى الشيعة منها لكثرة ما فيها من الأحاديث المعتبرة المتواترة في أحقية علي وسائر أهل بيته عليهم السلام والحق ظاهر، والحمد لله. وبالجملة فقد تعين بهذه الآية الكريمة كون الإمام والخليفة بعد رسول الله عليه وآله بلا فصل هو الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام لظهور دلالة الآية الشريفة على أن مودة علي عليه السلام واجبة بمقتضى الآية حيث جعل الله تعالى أجر الرسالة بما يستحق به الثواب الدائم مودة ذوي القربى، إذ

===== Page 128 =====

مع وقوع الخطأ منهم (١) يجب ترك مودتهم لقوله تعالى: ﴿لا تجد قوما " يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾ (2) وغير علي عليه السلام ليس بمعصوم بالاتفاق. إذن يكون هو الإمام بلا فصل ليس إلا. قال آية الله العظمى الإمام المجاهد الشهيد القاضي نور الله التستري في إحقاق الحق (3): إن إقامة الشيعة للدليل على إمامة علي عليه السلام علي أهل السنة غير واجب بل تبرعي، لاتفاق أهل السنة معهم على إمامته بعد رسول الله صلى الله عليه وآله. غاية الأمر أنهم ينفون الواسطة، وأهل السنة يثبتونها، والدليل على المثبت دون النافي كما تقرر في موضوعه، إلا أن يرتكبوا خرق الإجماع بإنكار إمامته مطلقا "، فحينئذ يجب على الشيعة إقامة الدليل، والله الهادي إلى سواء السبيل (4).

5 - آية الصلاة

===== Page 129 =====

(آية الصلاة) وهي قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما "﴾ (1) اتفقت كلمة الشيعة أجمع على أن هذه الآية الكريمة نزلت في حق النبي وآله الأطهار، وجرى على منهجهم كثير من علماء السنة، وإليك أيها القارئ الكريم ما ورد فيها من الروايات الثابتة من طريق المخالف عدا عن المؤالف: 1 - روى محمد بن إدريس الشافعي في مسنده، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد، أخبرنا صفوان بن سليم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أنه قال: يا رسول الله! كيف نصلي عليك؟ فقال: تقولون: (اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، ثم تسلمون علي) (2). 2 - وروى ابن حجر في صواعقه، قال: صح عن كعب بن عجرة، قال: لما نزلت هذه الآية، قلنا: يا رسول الله، قد عرفنا

===== Page 130 =====

كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: (اللهم صل على محمد وآل محمد) إلى أن قال: وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: (لا تصلوا علي الصلاة البتراء). فقالوا: وما الصلاة البتراء؟ قال: تقولون: (اللهم صل على محمد وتمسكون، بل قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد) (1).

===== Page 131 =====

3 - وأورد القرطبي في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن) روايات كثيرة دالة على لحوق الآل بالنبي صلى الله عليه وآله عند الصلاة عليه (1). 4 - وأورد ابن العربي الأندلسي المالكي في كتابه (أحكام القرآن) عدة روايات تدل على أنها نزلت في حق النبي صلى الله عليه وآله (2). وغيرهم من أكابر علماء السنة، وللاختصار تركنا الروايات العديدة الواردة المعتبرة في كتب القوم وذلك لكثرتها. وقد ذكر جملة منها سيدنا الأجل آية الله النسابة السيد شهاب الدين المرعشي النجفي في تعليقاته على إحقاق الحق للإمام السعيد الشهيد القاضي نور الله التستري فراجع (3)، ونكتفي هنا بذكر بعض الرواة والمصادر، ونحيل القارئ إلى مظانها: فمن جملة من ذكر هذه الآية الكريمة وقال: إنها نزلت في حق النبي صلى الله عليه وآله والآل: 1 - البخاري في صحيحه: 4 / 146 و ج 6 / 120 و ج 8 / 77 (ط الأميرية بمصر). 2 - الواحدي في أسباب النزول: 271 (ط. الهندية بمصر). 3 - البغوي في معالم التنزيل المطبوع بهامش تفسير الخازن: 5 / 225 (ط. مصر).

===== Page 132 =====

4 - الحاكم في المستدرك: 3 / 148 (ط. حيدر آباد الدكن). 5 - الفخر الرازي في تفسيره: 25 / 226 (ط. مصر). 6 - الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في أخبار أصبهان: 1 / 130 (ط. ليدن). 7 - الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد: 6 / 216 (ط. السعادة بمصر). 8 - ابن عبد البر الأندلسي في تجريد التمهيد: 185. 9 - النيسابوري في تفسيره: 22 / 30. 10 - الآلوسي في روح المعاني: 22 / 72 (ط. المنيرية بمصر). 11 - محب الدين الطبري في ذخائر العقبى: 19 (ط. مصر 1356). 12 - النووي في كتابه رياض الصالحين: 455 (ط. مصر). 13 - ابن كثير في تفسيره: 3 / 506 (ط. مصطفى الحلبي بمصر). 14 - الطبري في تفسيره: 22 / 27 (ط. الميمنية). 15 - الخازن في تفسيره: 5 / 226 (ط. مصر). 16 - السيوطي الشافعي في الدر المنثور: 5 / 215 - 219 (ط. بمصر)، وفي بغية الوعاة: 442 (ط. مصر بتصحيح الشيخ الشنقيطي) حيث أورد عدة روايات مسندة مسلسلة بالعد. 17 - الشوكاني في فتح القدير: 4 / 293 (ط. مصطفى محمد بمصر).

===== Page 133 =====

١٨ أبو بكر الحضرمي في رشفة الصادي: ٢٩ و ٣٤ (ط. القاهرة). ١٩ - السيد إبراهيم نقيب مصر في كتاب (البيان والتعريف): ٢ / ١٣٤ (ط. حلب ١٣٢٩ ه‍). ٢٠ - الشيخ محمد بن إدريس الحنفي في كتابه التعليق الصحيح في شرح المصابيح: ١ / ٤٠١ - ٤٠٢ [عنه إحقاق الحق: ٩ / ٦٠٥]. أورد الحديث بأسانيد متعددة ومتون مختلفة كلها مشتملة على كيفية الصلاة عليه وآله، إلى غير ذلك ممن يطول الكلام باستقصاء أسمائهم. أقول: فإفرادهم بالصلاة دون من عداهم، دليل واضح على علو قدرهم، ورفعة مقامهم، فلا تصح صلاة مكلف بدونها كائنا " من كان، ولو كان صديقا " أو فاروقا "، أو ذا نورين، أو أنوارا "! قال النيسابوري في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا " إلا المودة في القربى﴾ (1) كفى شرفا " لآل رسول الله صلى الله عليه وآله وفخرا " ختم التشهد بذكرهم، والصلاة عليهم في كل صلاة (2). وروى محب الدين الطبري في ذخائر العقبى عن جابر (رض) أنه كان يقول: لو صليت صلاة لم أصل فيها على محمد وعلى آل محمد

===== Page 134 =====

ما رأيت أنها تقبل (1). وأخرج القاضي عياض [المغربي] في الشفاء، [أنه قال: وفي حديث أبي جعفر عن] ابن مسعود [عن النبي صلى الله عليه وآله]: (من صلى صلاة لم يصل علي فيها وعلى أهل بيتي لم تقبل منه). [ثم قال: وقد روي من قبل ابن مسعود موقوفا " أيضا "] (2). وقال ابن حجر في الصواعق: أخرج الدارقطني والبيهقي حديث (من صلى صلاة ولم يصل فيها علي وعلى أهل بيتي، لم تقبل منه) وكأن هذا الحديث هو مستند قول الشافعي: (إن الصلاة على الآل من واجبات الصلاة، كالصلاة عليه صلى الله عليه وآله) لكنه ضعيف، فمستنده الأمر في الحديث المتفق عليه (قولوا: اللهم صلى على محمد وعلى آله محمد) والأمر للوجوب حقيقة على الأصح (3). وقال الرازي في تفسيره: إن الدعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة، وقوله: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمدا "، وآل محمد) وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل، فكل ذلك يدل على أن حب آل محمد واجب. وقال: أهل بيته صلى الله عليه وآله ساووه في خمسة أشياء: في الصلاة عليه وعليهم في التشهد، وفي السلام، والطهارة، وفي تحريم الصدقة، وفي المحبة (4).

===== Page 135 =====

فبجميع ما ذكرنا وغيرها مما لم نتعرض إليها ثبت وتحقق أن الصلاة عليهم مأمور بها في الصلاة، وفي المقام أخبار كثيرة، وكلمات ضافية توجد في طيات كتب الفقه والتفسير والحديث. ولقد أخذني العجب، واعترتني الدهشة عندما وقفت على هذه الأخبار الكثيرة، كيف ساغ للقوم تقديم غير أهل البيت على أهل البيت عليهم السلام؟! وزادتني الدهشة والعجب من قول ابن أبي الحديد المعتزلي في أول كتابه شرح النهج إذ يقول: الحمد لله الذي قدم المفضول على الفاضل!!! فكلامه هذا مخالف لكتاب الله وسنة الرسول إذ أن الله تعالى لا يرضى بتقديم المفضول على الفاضل وكذا رسوله صلى الله عليه وآله، وكل ذي عقل سليم وضمير حر، على أنه قبيح عقلا " ونقلا "، ثم كيف اجترأ القوم أيضا " على الطعن في شيعة آل بيت الرسول صلى الله عليه وآله الذين هم تولوا الله ورسوله والذين آمنوا، وقد قال الله تعالى: ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾ (1) والشيعة آخذين بكل ما جاء عن الله ورسوله لم يحيدوا عنه قيد شعرة؟! وصفوة القول: ثبتت خلافه علي عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله من هذه الآية الكريمة، إذ قرنه الله تعالى مع رسوله في ذكر الصلاة عليه كما تقدم، فعليه لا يجوز تقدم أحد عليه، كما لا يجوز تقدم أحد على رسول الله صلى الله عليه وآله، فتأمل إن كنت حرا " أيها القارئ العزيز.

6 - آية التبليغ أو حديث الغدير

===== Page 136 =====

(آية التبليغ) - أو حديث الغدير - وهي قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (1). يأمر الله تعالى نبيه في غدير خم في تبليغ هذه الآية الكريمة، وقد أجمع المفسرون من السنة والشيعة على أنها نزلت في غدير خم في شأن علي عليه السلام (2) في تحقيق أمر الإمامة، وأنها نص في الخلافة الإلهية العظمى، والزعامة الدينية الكبرى، بحيث لا يرتاب فيه إلا من ارتكب

===== Page 137 =====

طرق الأهواء والميول، اتباعا " لهوى النفس، وتعصبا " منه إلى المذهب الذي يأخذ به، ومخالفا " للنصوص القرآنية، ومنكرا " للأحاديث النبوية المتواترة، المجمع على صحتها وإلا من كان متعصبا "، قادته نفسه الأمارة إلى المهاوي السحيقة، فهلك وأهلك بإنكاره ما هو من الدين بالضرورة. قال العلامة الحجة السيد عباس الكاشاني في كتابه (مصابيح الجنان) (1): يوم عيد الغدير الأغر، هو عيد الله الأكبر، وعيد آل محمد صلى الله عليه وآله وأعظم الأعياد وأشرفها عندهم، وهو اليوم الذي نصب فيه الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله عليا " عليه السلام إماما " وخليفة من بعده، بحضرة تلك الأشهاد المجتمعة من أقطار المسلمين، وأمرهم بمبايعته، والتسليم عليه بإمرة

===== Page 138 =====

المؤمنين، وكان ذلك في حجة الوداع بموضع يدعى (غدير خم) (1) على ثلاثة أميال من (الجحفة) (2) بناحية (رابغ) بعد رجوعه من الحج بين مكة والمدينة. وكان قد نزل عليه جبرئيل عليه السلام بذلك في (ضجنان) (3) فأشفق النبي صلى الله عليه وآله من مخالفة قومه فقال: يا رب! إن قومي حديثو عهد بالجاهلية، فمتى أفعل هذا يقولوا فعل بابن عمه وفعل. فنزل عليه جبرئيل مرة ثانية على خمس ساعات مضت من النهار، فقال: يا محمد! إن الله يقرئك السلام ويقول لك: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك - يعني عليا " - وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) الآية.

===== Page 139 =====

وكان أوائل القوم، وهم مائة ألف أو يزيدون، فأمره أن يرد من تقدم منهم، ويحبس من تأخر عنهم في ذلك المكان، وأن يقيم عليا " علما " للناس، ويبلغهم ما أنزل الله فيه، وأخبره بأن الله عز وجل قد عصمه من الناس. فلما بلغ (غدير خم) نادى مناديه: الصلاة جامعة، وكان في وقت الضحى، والحر شديد، بحيث لو طرح اللحم على الأرض لانشوى، وأمر أن يعمدوا إلى أصل شجرتين، فيكنسوا تحتهما، وأن يضعوا الحجارة بعضها على بعض كالمنبر، وأمر بثوب فطرح عليه، ثم صعد. فلما اجتمعوا خطب خطبته تلك العظيمة التي صدع بها، رافعا " صوته لتسمعه تلك الأشهاد المجتمعة من أقطار المسلمين (1)، فبعد أن حمد الله وأثنى عليه، ووعظ فأبلغ في الموعظة، ونعى الأمة نفسه، وقال:

===== Page 140 =====

(إني قد دعيت ويوشك أن أجيب، وقد حان مني خفوق من بين أظهركم)، ثم أخذ بعضد علي عليه السلام فرفعها - حتى نظر الناس إلى بياض إبطي رسول الله صلى الله عليه وآله - قائلا ": (أيها الناس! ألست أولى بكم من أنفسكم)؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال صلى الله عليه وآله: (اللهم من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، وأخذل من خذله، وأبغض من أبغضه، وأعن من أعانه، وأحب من أحبه، وأعز من أعزه، إنما أكمل الله لكم الدين بولايته وإمامته، لا يبغض عليا " إلا شقي، ولا يوالي عليا " إلا تقي. معاشر الناس، لا ترجعوا بعدي كفارا " يضرب بعضكم أعناق بعض، فإني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. أيها الناس! قد ضل من قبلكم أكثر الأولين، أنا صراط الله المستقيم الذي أمركم أن تسلكوا الهدى إليه، ثم علي من بعدي، ثم ولدي من صلبه أئمة يهدون بالحق، إني قد بينت لكم وفهمتكم، وهذا علي يفهمكم بعدي. ألا وإني أدعوكم إلى مصافحتي على بيعته، والإقرار له، ألا وإني قد بايعت الله، وعلي بايع الله، وإني لآخذكم بالبيعة له عن الله، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا " عظيما ").

===== Page 141 =====

فإذا بعمر بن الخطاب قائلا " لعلي عليه السلام: هنيئا " لك يا بن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة - وفي بعض الأحاديث - بخ بخ لك يا علي (1). قال أبو سعيد الخدري: فلم ننصرف حتى نزلت هذه الآية: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم

===== Page 142 =====

الإسلام دينا ") (1) الخ، فقال النبي صلى الله عليه وآله: (الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضى الرب برسالتي، وبالولاية لعلي عليه السلام من بعدي). ثم قام حسان بن ثابت، فقال: ائذن لي يا رسول الله صلى الله عليه وآله أقول في علي أبياتا " لتسمعهن. فقال صلى الله عليه وآله: قل على بركة الله. فقال حسان: يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالرسول (2) مناديا يقول: فمن مولاكم ووليكم؟ * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا (3)

===== Page 143 =====

إلهك مولانا وأنت ولينا * ولم ترمنا في الولاية عاصيا (1) فقال له قم يا علي فإنني * رضيتك من بعدي إماما " وهاديا فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أنصار صدق مواليا هناك دعا اللهم وال وليه * وكن للذي عادى عليا " معاديا (2) ثم ذكر العلامة الكاشاني في مصابيحه قال: وقد ذكر مؤرخو المسلمين على اختلاف مذاهبهم موقف النبي صلى الله عليه وآله يوم الغدير، ونصبه عليا " بالخلافة، وكفي لذلك اليوم التاريخي عظمة وإجلالا " عناية المؤمنين والكتاب والشعراء به، ومن العسير جدا " استقصاء ما جمع فيه من المجلدات الضخمة من التفاسير وكتب الصحاح والمسانيد والسير والتواريخ والحديث والموسوعات الأدبية، راجع تعرف، وفي كتابي (العقبات) و (الغدير) كفاية، انتهى. أقول: اتفق علماء الإسلام قاطبة على نزول هذه الآية الكريمة وهي: (يا أيها الرسول بلغ) الخ، في شأن أمير المؤمنين علي عليه السلام

===== Page 144 =====

خاصة بتوطيد الخلافة له بذلك اليوم، وجاءت روايات حديث الغدير متواترة، رواه جميع المؤرخين والمحدثين من جميع الفرق الإسلامية بالاتفاق، وصححها أكابر المحدثين من كلا الطرفين بحيث لا يخالف فيها إلا مكابر فاسد، أو معاند جاحد، فأورده بعضهم مطولا "، وآخرون مختصرا ". حتى أن رواته بلغوا عددا " لا يوجد في غيره من الأحاديث، إذ رواه على ما يربو على المائة والخمسين صحابيا " من بدري وغيره من أعاظم الصحابة، وأما من التابعين، فقد بلغ عدد رواته أربعة وثمانون راويا " (1). ومن العلماء والمحدثين من علماء السنة والجماعة، فقد بلغ عدد رواته ثلاثمائة وستون شخصا "، هذا ما عثرت عليه من مصادر المؤرخين والمحدثين والمفسرين من كتب القوم (السنة). وأما حصر الرواة على الضبط متعذر بل متعسر جدا ". ولعل ما غاب عنا من الرواة، ولم نعثر عليهم أكثر من ذلك بكثير، ومقتضى الحال ينبغي أن يكون رواة الحديث أضعاف المذكورين، لأن تلك الجموع المصغية إلى خطبة النبي صلى الله عليه وآله كان عددهم يربو على مائة ألف، وبمقتضى الطبيعة أنهم حدثوا بالواقعة عند رجوعهم إلى أوطانهم، وهذا حال كل مسافر ينبئ عن الأحداث

===== Page 145 =====

العجبية والغربية التي شاهدها في سفره، كما قال الشاعر: واعلم بأن الضيف مخبر أهله * بمبيت ليلته وإن لم يسأل نعم، فعلوا ذلك إلا طائفة ضئيلة لا يعتنى بهم من ذوي الضغائن والأحقاد الكامنة في صدورهم، كتموه حسدا " وبغضا " (1). وأما الشيعة، فقد أجمعت كلمتهم، وتصافقوا برمتهم على تواتر لا يختلف فيه منهم اثنان، لكن لما ثبت حديث الغدير، وتحقق ثبوته بدرجة لا تدع إلى من في قلبه زيغ من أعداء أهل البيت عليهم السلام خدش الرواة والروايات، أخذ يتشبث بتأويل لفظة (المولى) حسب ما يقتضيه هواهم، فمرة فسره بمعنى (المحب)، أخرى بمعنى (الناصر)، وثالثة بمعنى (الأولى) وهكذا، إذ لم يجد طريقا " لإيقاع الخلل والطعن في تفسير الآية ومعنى الحديث، وتشبث أيضا " بأن النبي صلى الله عليه وآله إنما نزل في (غدير خم) وقام خطيبا " ليبين للناس مقام علي عليه السلام ويعرفهم بشأنه! أما قول المشكك في لفظة (الولي) بما ذكر، فهو وإن كان محتملا " لتلك المعاني التي أتى بها الخصم المكابر، فهي لا تحتمل إلا من هو أحق بالأمر، ولا يجوز لأحد تولي الأمر سواه، ودليلنا آية الولاية المتقدمة،

===== Page 146 =====

وهي قوله تعالى: (إنما وليكم الله) (1). وحديث الغدير، وهو قوله صلى الله عليه وآله في خطبته الشريفة الطويلة: (أيها الناس! ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟) قالها ثلاثا " وفي كل مرة يجيب القوم: بلى يا رسول الله فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بعضد علي عليه السلام وقال: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه). فالحديث مطابق للآية الشريفة سواء بسواء. وأما قول المخالف أيضا ": إنما نزل رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك المنزل ليبين للناس مقام علي! إلى آخر مفترياته، فكلامه باطل لا يمت إلى الحقيقة بصلة، فلا يعول عليه. كأن عليا " عليه السلام لم يعرف من ذي قبل حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك المنزل، في ذلك الوقت الرهيب، والحر الشديد - كما مر عليك قريبا " - على أن عليا " عليه السلام أشهر من نار على علم في غزواته، فقد شهد المواقف كلها، و [أما] جهاده فقد قام الدين بسيفه. ثم إن أقوى دليل على صحة مدعانا، قيام علي خطيبا " على منبر جامع (الرحبة) - وقد ذكره جميع المؤرخين - بعد أن فاء إليه أمر الخلافة، وقال: أنشد الله كل امرئ مسلم سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول يوم غدير خم

===== Page 147 =====

ما قال إلا قام فشهد بما سمع، ولا يقم إلا من رآه بعينه وسمعه بأذنيه (1). فقام ثلاثون صحابيا "، فيهم اثنا عشر بدريا "، فشهدوا أنه أخذه بيده فقال للناس: (أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم)؟ قالوا: نعم. قال صلى الله عليه وآله: (من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه) الحديث (2). ولا يخفى على القارئ اللبيب أن تواطؤ ثلاثين صحابيا " على الكذب مما لا يقره العقل السليم، فحصول التواتر بمجرد شهادتهم إذا " قطعي لا ريب فيه، وقد حمل هذا الحديث عنهم كل من كان في (الرحبة) من تلك المجموع، فبثوه بعد تفرقهم في البلاد، فطار كل مطير. قال الإمام شرف الدين (ره) في كتابه بعد نقله هذا الكلام: ولا يخفى أن يوم (الرحبة) (3) إنما كان في خلافة أمير المؤمنين عليه السلام،

===== Page 148 =====

وقد بويع سنة خمس وثلاثين، ويوم الغدير إنما كان في حجة الوداع سنة عشر، فبين اليومين - في أقل الصور - خمس وعشرون سنة. كان في خلالها طاعون عمراس (1)، وحروب الفتوحات والغزوات على عهد الخلفاء [الثلاثة]، وهذه المدة - وهي ربع قرن - بمجرد طولها، وبحروبها وغاراتها وبطاعون عمواسها الجارف، قد أفنت جل من شهد يوم الغدير من شيوخ الصحابة وكهولهم، ومن فتيانهم المتسرعين - في الجهاد - إلى لقاء الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله حتى لم يبق منهم حيا " بالنسبة إلى من مات إلا قليل، والأحياء منهم كانوا منتشرين في الأرض، إذ لم يشهد منهم الرحبة إلا من كان مع أمير المؤمنين عليه السلام في العراق من الرجال دون النساء، ومع هذا كله، فقد قام ثلاثون صحابيا "، فيهم اثنا عشر بدريا "، فشهدوا بحديث الغدير سماعا " من رسول الله صلى الله عليه وآله. ورب قوم أقعدهم البغض عن القيام بواجب الشهادة كأنس بن مالك (2) حيث قال له علي عليه السلام: ما لك لا تقوم مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فتشهد بما سمعته يومئذ منه؟! فقال: يا أمير المؤمنين كبرت سني ونسيت.

===== Page 149 =====

فقال علي عليه السلام إن كنت كاذبا "، فضربك الله ببيضاء لا تواريها العامة. فما قام حتى ابيض وجهه برصا "، فكان بعد ذلك يقول: أصابتني دعوة العبد الصالح انتهى (1). ولو تهيأ " للإمام علي عليه السلام جمع كل من كان حيا " يوم ذلك من الصحابة رجالا " ونساء، ثم يناشدهم كما ناشد أصحاب (الرحبة) لشهد له أضعاف أضعاف [الأربعة و] الثلاثين، وكيف لو تهيأ له الأمر بالمناشدة في الحجاز قبل أن يمضي على عهد الغدير ما مضى من الزمن؟ فأمعن النظر أيها القارئ المنصف، وتدبر هذه الحقيقة الراهنة، تجدها أقوى دليل واضح على تواتر حديث الغدير. وسنورد عليك أيها القارئ الكريم بعض ما يتيسر لنا ذكره من أقوال المفسرين، وأئمة الحديث من أن آية (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك) إلخ، وآية (اليوم أكملت لكم دينكم) إلخ، وآية (سأل

===== Page 150 =====

سائل) (1) إلخ، وحديث: (من كنت مولاه، فعلي مولاه) وغيرها مما لها صلة بالموضوع نزلت في خصوص علي عليه السلام بخلافته العظمى، وإمامته الكبرى، وذلك بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بلا فصل في يوم غدير خم. وقد رواه أكابر علماء المسلمين، بما ثبت لديهم من الأحاديث الحاكية لقصة يوم الغدير، بسند متواتر معتبر على أن المراد منها، وأنها نزلت بخصوص الإمام أمير المؤمنين عليه السلام. فهذا الواحدي يقول في كتابه: إن آية (يا أيها الرسول) إلى آخر [الآية] نزلت في يوم غدير خم في علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) (2). وهذا السيوطي في كتابه يقول: وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر، عن أبي سعيد الخدري أن الآية: (يا أيها الرسول) إلخ نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله يوم غدير خم في علي بن أبي طالب عليه السلام.

===== Page 151 =====

وقال أيضا ": أخرجه ابن مردويه، عن ابن مسعود، قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك - أن عليا " مولى المؤمنين - وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) (1). وقال الرازي في تفسيره الكبير (2): ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية وجوها "، إلى أن قال: (العاشر): نزلت هذه الآية في فضل علي بن أبي طالب عليه السلام، ولما نزلت هذه الآية أخذ بيده، وقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه) فلقيه عمر فقال: هنيئا " لك يا بن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. وهو قول ابن عباس، والبراء بن عازب، ومحمد بن علي. وقال النيسابوري في تفسيره - المطبوع بهامش ابن جرير - (3): إن هذه الآية نزلت في فضل علي بن أبي طالب (رضي الله عنه وكرم الله وجهه) يوم غدير خم. وذكر ما ذكره الرازي حرفا " بحرف. وقال الشوكاني في تفسيره (4): وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعا "، وعرفت

===== Page 152 =====

إن الناس مكذبي، فوعدني لأبلغن أو ليعذبني، فأنزلت: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك). وقد ذكر ما ذكره السيوطي من نزولها يوم (غدير خم) في علي بن أبي طالب عليه السلام وأنهم كانوا يقرأون أن عليا " عليه السلام مولى المؤمنين. وقال القندوزي الحنفي في كتابه (1): أخرج الثعلبي، عن ابن صالح، عن ابن عباس، وعن محمد الباقر (رضي الله عنه) قالا: نزلت هذه الآية في علي عليه السلام. وقال الآلوسي في تفسيره (2)، وعن ابن عباس (رض) قال: نزلت هذه الآية في علي كرم الله تعالى وجهه، حيث أمر سبحانه وتعالى [النبي صلى الله عليه وآله] أن يخبر الناس بولايته، فتخوف رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقولوا حابى ابن عمه، وأن يطعنوا في ذلك عليه. فأوحى الله تعالى إليه هذه الآية، فقام بولايته يوم (غدير خم) وأخذ بيده فقال صلى الله عليه وآله: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه) وذكر ما ذكره السيوطي في الدر المنثور إلى آخره. وفي تفسير (المنار) المنسوب إلى الشيخ محمد عبده أنها نزلت يوم (غدير خم) في علي بن أبي طالب عليه السلام ذكره عن ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر، ثم ذكر رواية ابن عباس، وأن الآية الشريفة نزلت عليه صلى الله عليه وآله في (غدير خم) كما ذكرها الآلوسي (3).

===== Page 153 =====

أما آية (اليوم أكملت لكم دينكم) الخ، ففي الدر المنثور من طريق ابن مردويه، وابن عساكر إلى أبي سعيد الخدري، قال: لما نصب رسول الله صلى الله عليه وآله عليا " عليه السلام يوم (غدير خم) فنادى له بالولاية هبط جبرئيل عليه السلام بهذه الآية: (اليوم أكملت لكم دينكم) الخ. ومن طريقهما وطريق الخطيب إلى أبي هريرة، قال: لما كان يوم (غدير خم) وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، قال النبي صلى الله عليه وآله: (من كنت مولاه فعلي مولاه) فأنزل الله: (اليوم أكملت لكم دينكم) إلخ (1). وفي (تاريخ بغداد) للخطيب بسند متصل بأبي هريرة وفيه: لما أخذ النبي صلى الله عليه وآله بيد علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: (ألست ولي المؤمنين)؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: (من كنت مولاه فعلي مولاه) فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا بن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مسلم. فأنزل الله (اليوم أكملت لكم دينكم) (2). وفي (فرائد السمطين) للحمويني الباب الثاني عشر بسنده المتصل بأبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وآله دعا الناس يوم (غدير خم) إلى علي عليه السلام وأمر بما تحت الشجرة من الشوك فقم، وذلك يوم الخميس.

===== Page 154 =====

فدعا عليا " عليه السلام فأخذ بضبعه، فرفعها حتى نظر الناس إلى بياض إبطي رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم لم يتفرقوا حتى نزلت هذه الآية: (اليوم أكملت لكم دينكم) الخ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضى الرب برسالتي، وبالولاية لعلي عليه السلام من بعدي). ثم قال: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله). وفي الباب المذكور أخرجه بألفاظه من طريق آخر. وأخرجه الخوارزمي في مناقبه (1). وفي (تاريخ اليعقوبي): وقد قيل: إن آخر ما نزل عليه صلى الله عليه وآله: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ") وهي الرواية الصحيحة الثابتة الصريحة، وكان نزولها - يوم النص - على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بغدير خم (2). وهكذا ذكروا في شأن آية المعارج بأنها نزلت في حق علي عليه السلام. قال الشبلنجي في كتابه: ونقل الإمام الثعلبي في تفسيره: إن سفيان بن عيينة سئل عن قول الله تعالى: (سأل سائل بعذاب واقع)، فيمن نزلت؟ فقال للسائل: لقد سألتني عن مسألة ما

===== Page 155 =====

سألني عنها أحد قبلك، حدثني أبي، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام (1) أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما كان (بغدير خم) نادى الناس، فاجتمعوا، فأخذ بيد علي عليه السلام فقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه) فشاع ذلك في أقطار البلاد، وبلغ ذلك (الحارث بن النعمان الفهري) فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله على ناقته، فأناخ راحلته ونزل عنها وقال: يا محمد! أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسوله فقبلناه منك، وأمرتنا أن نصلي خمسا " فقبلناه، وأمرتنا بالزكاة فقبلناه، وأمرتنا أن نصوم رمضان فقبلناه، وأمرتنا، بالحج فقبلناه، ثم لن ترضى بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك تفضله علينا، فقلت: (من كنت مولاه فعلي مولاه)! فهذا شئ منك أم من الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: (والله الذي لا إله إلا هو إن هذا من الله عز وجل) فولى الحارث يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا "، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فما وصل إلى راحلته حتى رماه الله بحجر سقط على هامته

===== Page 156 =====

[وخرج من دبره فقتله]، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: (سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج) (1). وفي (فرائد السمطين) بسنده عن الإمام أبي الحسن الواحدي، قال: قرأت على شيخنا الأستاذ أبي إسحاق الثعلبي في تفسيره أن سفيان بن عيينة سئل عن قول الله عز وجل إلى آخر ما ذكره في نور الأبصار (2). وحكاه ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة (3) وحكاه سبط ابن الجوزي في تذكرته، وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وقد احمرت عيناه: (والله الذي لا إله إلا هو إنه من الله، وليس مني) قالها ثلاثا " إلى آخر الحديث (4). وقال أبو السعود في تفسيره المطبوع بهامش تفسير الرازي: وقيل: هو الحارث بن النعمان الفهري، وذلك أنه لما بلغه قول رسول الله صلى الله عليه وآله في علي عليه السلام (من كنت مولاه فعلي مولاه) إلى آخره (5).

===== Page 157 =====

وفي نزهة المجالس للصفوري قال: رأيت في تفسير القرطبي في سورة (سأل) لما قال النبي صلى الله عليه وآله: (من كنت مولاه فعلي مولاه) قال النضر بن الحارث لرسول الله صلى الله عليه وآله: أمرتنا بالشهادتين عن الله تعالى فقبلنا منك، وأمرتنا بالصلاة والزكاة، ثم لم ترض حتى فضلت علينا ابن عمك! الله أمرك بهذا أم من عندك؟ فقال: (والله الذي لا إله إلا هو إنه من عند الله) الخ (1). وأما حديث (من كنت مولاه) ففي مسند أحمد بن حنبل بسنده عن البراء بن عازب، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله في سفر، فنزلنا بغدير خم فنودي فينا: الصلاة جامعة، وكسح لرسول الله صلى الله عليه وآله تحت شجرتين، فصلى الظهر، وأخذ بيد علي عليه السلام فقال: (ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من نفسهم)؟ قالوا: بلى. قال: فأخذ بيد علي عليه السلام فقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه). قال فلقيه عمر بعد ذلك، فقال له: هنيئا " لك يا بن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة (2). وروى عن عطية العوفي، قال: سألت زيد أرقم فقلت له: إن ختنا " لي حدثني عنك بحديث في شأن علي عليه السلام يوم غدير خم، فأنا

===== Page 158 =====

أحب أن أسمعه منك، فقال: إنكم معشر أهل العراق فيكم ما فيكم! فقلت له: ليس عليك مني بأس. فقال: نعم، كنا بالجحفة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلينا ظهرا "، وهو آخذ بعضد علي عليه السلام، فقال: (يا أيها الناس ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم)؟ قالوا: بلى. قال: (من كنت مولاه فعلي مولاه...) الحديث (1). وروى أيضا " بسنده عن ميمون قريبا " منه (2). وروى أيضا " في الجزء الأول من مسنده، أخرجه عن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال يوم غدير خم: (من كنت مولاه فعلي مولاه) (3). وروى ابن ماجة في سننه بطريقه إلى البراء بن عازب الحديث قريبا " مما تقدم (4). وروى النسائي في خصائص علي عليه السلام بطريقه إلى سعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من كنت مولاه فعلي مولاه)، وفي تلك الصحيفة أيضا " أخرجه بسنده إلى زيد بن أرقم، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه)؟ قالوا: بلى، نشهد لأنت أولى بكل مؤمن من نفسه. قال:

===== Page 159 =====

(فإني من كنت مولاه فعلي مولاه) وأخذ بيد علي عليه السلام (1). وروى ابن عبد ربه في العقد الفريد عند ذكر احتجاج المأمون على الفقهاء في فضل علي بن أبي طالب عليه السلام قال في جملة كلامه: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه) (2). وروى السيوطي في كتابه قال: وأخرج الترمذي عن أبي سريحة، أو زيد بن أرقم، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (من كنت مولاه فعلي مولاه) (3). وروى أيضا " في كتابه حديث: (من كنت مولاه فعلي مولاه) (4). وفي (كنوز الحقائق) بهامش (الجامع الصغير) جاء هذا الحديث الشريف: (من كنت مولاه فعلي مولاه) (5). وفي (إسعاف الراغبين) بهامش (نور الأبصار) قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله - يوم غدير خم -: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار). رواه عن النبي صلى الله عليه وآله ثلاثون صحابيا "، وكثير من طرقه صحيح أو حسن (6).

===== Page 160 =====

وفي (الرياض النضرة) للمحب الطبري قال: وعن عمر أنه قال: علي مولى من كان رسول الله صلى الله عليه وآله مولاه (1). وفي تلك الصحيفة أيضا ": قال: وعن سالم، قيل لعمر: إنك تصنع بعلي عليه السلام شيئا " ما تصنعه بأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: إنه مولاي. وفي مصابيح السنة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (من كنت مولاه فعلي مولاه) (2). وفي حلية الأولياء عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (من كنت مولاه فعلي مولاه) (3). وفي (نثر اللئالي) قال في عداد فضائله: ومنها: قوله صلى الله عليه وآله في حقه: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه) (4). وفي الشرف المؤبد قال صلى الله عليه وآله: (من كنت مولاه فعلي مولاه) (5). وفي تذكرة الحفاظ قال صلى الله عليه وآله: (من كنت مولاه فعلي مولاه) (6). وفي الجزء الثالث ص 231: وأما حديث - من كنت مولاه - فله طرق جيدة، وقد أفردت ذلك. وفي (تاريخ بغداد للخطيب) عن أنس قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله

===== Page 161 =====

يقول: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه) (١). إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في كتب القوم، مما لا يمكن إحصاؤها عدا "، وسنذكر لزيادة التوضيح أسماء طائفة من الرواة مع ذكر المصادر، فممن ذكره: الواحدي في (أسباب النزول) (٢)، ومحمد بن طلحة الشافعي في (مطالب السؤول)، وفخر الدين الرازي في تفسيره (مفاتيح الغيب) (٣)، والثعلبي في تفسيره (٤)، والسيوطي في (الدر المنثور) (٥)، وابن الصباغ المالكي في ﴿الفصول المهمة﴾ (6)، والترمذي في صحيحه (7)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. والحاكم في المستدرك (8)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يعقبه الذهبي بشئ. وابن كثير في (البداية والنهاية) من طرق عديدة، وبسط القول فيه (9).

===== Page 162 =====

واليعقوبي في (تاريخه) (1)، وابن حجر في صواعقه قال: إنه حديث صحيح لا مرية فيه، ولقد أخرجه جماعة كالترمذي، والنسائي، وأحمد، وطرقه كثيرة جدا "، ومن ثم رواه ستة عشر صحابيا "، وفي رواية لأحمد أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وآله ثلاثون صحابيا "، وشهدوا به لعلي لما نوزع أيام خلافته - كما مر عليك - وكثير من أسانيدها صحاح وحسان (2). وقال ابن كثير في البداية والنهاية (3): وقد اعتنى بأمر هذا الحديث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير، والتاريخ، فجمع فيه مجلدين أورد فيهما طرقه وألفاظه، وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة. وقال القندوزي الحنفي في (ينابيع المودة): حكي عن أبي المعالي الجويني الملقب بإمام الحرمين أستاذ أبي أحمد الغزالي أنه كان يتعجب ويقول: رأيت مجلدا " في بغداد في يد صحاف فيه روايات خبر (غدير خم) مكتوبا " عليه (المجلدة الثامنة والعشرون) من طرق قوله صلى الله عليه وآله (من كنت مولاه، فهذا علي مولاه) ويتلوه المجلدة التاسعة والعشرون (4)!

===== Page 163 =====

أقول: إن الأحاديث التي أوردنا في هذا الإملاء من الأحاديث المتعلقة بيوم الغدير هي قليلة جدا " بالنسبة إلى ما ورد من الأحاديث الواردة في هذا الباب مما لا تحصى عدا ". وقد نقل الإمام الأكبر، والعلم الأوحد عز الشريعة، ورافع رأس الشيعة، آية الله العظمى مولانا المجاهد العظيم السيد حامد حسين النيسابوري ثم الهندي (ره) في جزء الغدير من عبقاته أسماء الرواة من الذين ذكروا حديث الغدير، وكلهم من أعاظم أهل السنة (1). وهكذا سيدنا الحجة مولانا المجاهد السيد المرعشي النجفي في تعليقاته على (إحقاق الحق) للإمام السعيد الشهيد القاضي نور الله التستري (2). وهكذا شيخنا المفدى حجة الطائفة، الشيخ الأميني المجاهد العظيم في كتابه (الغدير) (3). وكذلك سيدنا الأكبر آية الله الحجة الإمام المجاهد السيد (ابن طاووس) رحمه الله في كتابه الإقبال (4)، فقد نقل عن جماعة من أعاظم أهل السنة أنهم رووا حديث الغدير وصححوه، فراجع.

تهنئة القوم عليا عليه السلام بالخلافة

===== Page 164 =====

تهنئة القوم عليا " عليه السلام بالخلافة ولما خطب رسول الله صلى الله عليه وآله خطبته تلك العظيمة، أمر من حضر المشهد من أمته، ومنهم: (الشيخان) ومشيخة قريش، ووجوه الأنصار حتى أمهات المؤمنين بالدخول على أمير المؤمنين عليه السلام وتهنئته على تلك الحظوة الكبيرة بإشغاله منصة الولاية، ومرتبع (1) الأمر والنهي في دين الله، وقد روى ذلك جماعة كبيرة من أعاظم علماء السنة والجماعة منهم: الطبري في كتابه (الولاية) أخرج حديثا " بإسناده عن زيد بن أرقم، وفي آخره: وكان أول من صافق النبي صلى الله عليه وآله وعليا " عليه السلام: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وباقي المهاجرين والأنصار، وباقي الناس إلى أن صلى الظهرين في وقت واحد، وامتد ذلك إلى أن صلى العشائين في وقت واحد، وأوصلوا البيعة والمصافقة ثلاثا ". ومنهم: الدارقطني، فقد أخرج عنه ابن حجر في الفصل الخامس من الباب الأول من صواعقه أن أبا بكر وعمر لما سمعا الحديث، قالا للإمام علي عليه السلام: أمسيت يا بن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة.

===== Page 165 =====

فقيل لعمر: إنك تصنع لعلي شيئا " لا تصنعه بأحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله؟ فقال: إنه مولاي. ومنهم: الحافظ أبو سعيد النيسابوري في كتابه (شرف المصطفى) بإسناده عن البراء بن عازب بلفظ أحمد بن حنبل، وبإسناد آخر عن أبي سعيد الخدري، ولفظه: ثم قال النبي صلى الله عليه وآله: (هنئوني هنئوني إن الله تعالى خصني بالنبوة، وخص أهل بيتي بالإمامة) فلقي عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، فقال: طوبى لك يا أبا الحسن! أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. ومنهم: صاحب (روضة الصفا) فإنه قال فيه بعد ذكر حديث الغدير ما ترجمته: ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وآله في خيمة، وأجلس أمير المؤمنين عليا " صلى الله عليه وآله في خيمة أخرى، وأمر [أطباق] الناس بأن يهنئوا عليا " في خيمته، ولما فرغ الناس من التهنئة له، أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أمهات المؤمنين بأن يسرن إليه ويهنئنه [ففعلن] (1). ومنهم: صاحب (حبيب السير) فإنه قال فيه: ثم جلس أمير المؤمنين علي عليه السلام في خيمة مخصوصة، تزوره الناس ويهنئونه، وفيهم: أبو بكر، وعمر، فقال عمر: بخ بخ لك يا بن أبي طالب! أصبحت مولاي، ومولى كل مؤمن ومؤمنة. ثم أمر النبي صلى الله عليه وآله أمهات المؤمنين أن يدخلن على علي عليه السلام ويهنئنه (2).

===== Page 166 =====

وممن روى ذلك: أحمد بن حنبل في مسنده: 4 / 281، والطبري في تفسيره: 3 / 428، وابن مردويه في تفسيره، والثعلبي في تفسيره، والبيهقي، والخطيب البغدادي، وابن المغازلي في مناقبه، والغزالي في كتابه (سر العالمين) ص 16، والشهرستاني في الملل والنحل، وأبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي في مناقبه: ص 29، والرازي في تفسيره الكبير: 3 / 636 والگنجي الشافعي في (كفاية الطالب). ومحب الدين الطبري الشافعي في (الرياض النضرة): 2 / 169، والحمويني في (فرائد السمطين) في الباب الثالث عشر، وأبو الفداء ابن كثير الشافعي في (البداية والنهاية): 5 / 209، والمقريزي في (الخطط): 2 / 223، وابن الصباغ المالكي في (الفصول المهمة) ص 25، والسيوطي في (جمع الجوامع) كما في (كنز العمال) 6 / 397. والسمهودي في (وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى) 2 / 173، وابن حجر في (الصواعق) ص 26 إلى غير ذلك من أئمة الحديث، والتفسير، والتاريخ من رجال السنة ممن لا يسع درج أسمائهم في كتابنا هذا، فإنهم رووه بين راو مرسلا " له إرسال المسلم، وبين راو إياه بمسانيد صحاح برجال ثقات تنتهي إلى غير واحد من الصحابة، كابن عباس، وأبي هريرة، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وغيرهم (1).

===== Page 167 =====

ولنعم ما قال الغزالي في كتابه (سر العالمين) في المقالة الرابعة بما لفظه: ولكن أسفرت الحجة وجهها، وأجمع الجماهير على متن على متن الحديث من خطبة صلى الله عليه وآله في يوم (غدير خم) باتفاق الجميع وهو يقول:

===== Page 168 =====

(من كنت مولاه فعلي مولاه) فقال عمر: بخ بخ لك يا أبا الحسن، لقد أصبحت مولاي، ومولى كل مؤمن ومؤمنة. فهذا تسليم ورضى وتحكيم، ثم بعد هذا غلب الهوى بحب الرئاسة، وحمل عمود الخلافة، وعقود البنود، وخفقان الهوى في قعقعة الرايات، واشتباك ازدحام الخيول، وفتح الأمصار، سقاهم كأس الهوى، فعادوا إلى الخلاف الأول، فنبذوا الحق وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنا " قليلا "، فبئس ما يشترون، انتهى. أقول: الحمد لله الذي أنطق (الغزالي) بالصواب الذي فيه حجتنا، وإثبات مدعانا في كتابه ﴿سر العالمين﴾ (1) إذ أطلق الله لسانه بالحق، وأفصح عن الواقع مع ما يحكى عنه من العصبية واللجاج، والحق، ينطق منصفا " وعنيدا ". ومع الأسف - كل الأسف - رأينا القوم كل من أتى منهم بما يثبت مدعى الشيعة على إثبات أحقية علي أمير المؤمنين عليه السلام وبنيه بالخلافة يتهمونه بالتشيع مع أنه رأيناهم متعصبين في مذهبهم، ويرشقون الشيعة بسهام الكذب والافتراء، إلا أن الله تعالى ينطق لسانه بالحق مختارا " أم غير مختار، فيتكلم عن الواقع إذا أن الحق يعلو ولا يعلى عليه، كما هو مأثور ومشهور. وأما الشيعة فإنهم رجال علم وصدق واجتهاد ملأوا أرض الله علما " وعملا " وصدقا في القول، وإن قال فيهم خصومهم ما قالوا كذبا " وافتراء.

===== Page 169 =====

تأمل أيها القارئ المنصف الحر، كيف أن الله أظهر حق الشيعة من كتب القوم، على أن كلمة الحق وإن طال الزمان بها لا بد وأن تظهر، شاء القوم أم أبوا، والباطل لا بد أن يدحض أيضا " شاؤوا أم أبوا. ونحن قد قدمنا لك في إملائنا هذا جملة من الأحاديث المتعلقة بيوم الغدير إلا أن هناك الكثير الكثير مما أغمصه القوم حسدا " وبغضا " منهم لأمير المؤمنين عليه السلام، سيما يوم تولى معاوية أمر الخلافة، فهناك ترى العجب العجاب مما أحدثه من الضغط الشديد على كل من يروي حديثا " في حق أبي تراب، إلا أن الله تعالى شاء أن يظهر حق أمير المؤمنين ويملأ الكون من فضائله وفواضله عليه السلام. وهنا نقتصر على ما قدمنا مما يتعلق بموضوع الغدير الأغر لما فيه كفاية لأولي الألباب، ولو أردنا بسط القول في ذلك لملأنا كثيرا " من الكتب الضخمة، وهذا ينافي الاختصار الذي وعدنا به قارئنا الكريم. ومن أراد المزيد، فعليه بالكتب المطولة التي مر عليك ذكرها من ذي قبل، على أن في ما قدمناه أدلة واضحة، وبراهين ساطعة، وحجج دامغة في أولوية علي أمير المؤمنين عليه السلام بالخلافة من غيره، لأن المراد من كلمة (المولى) هو الأولى بالتصرف، وذلك معروف في اللغة والاستعمال كما في القرآن المجيد ﴿النار هي مولاكم﴾ (1) أي أولى بك، وقال الأخطل:

===== Page 170 =====

فأصبحت مولاها من الناس بعده (1). وقالوا: مولى العبد: أي الأولى في تدبيره والتصرف فيه، مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد عين هذا المعنى من كلمة (المولى) حيث صدر كلامه بقوله: (ألست أولى بكم من أنفسكم)؟ فصرح فيه بالأولوية، ثم عقبه من دون فصل بقوله: (من كنت مولاه، فهذا علي مولاه) أي من كنت أولى به من نفسه، فعلي أولى به من نفسه، فيكون علي عليه السلام أولى بالتصرف في أمورهم، ولا يكون أولى إلا إذا كان خليفة وإماما، وهذا نص صريح في إرادة رئاسته الدين والدنيا، إذ أن الأولى بنفس الأمة منهم هو النبي صلى الله عليه وآله والإمام عليه السلام كما مرت الإشارة إليه في تحقق الآية السابقة. وقد فهم هذا المعنى من الفصحاء السامعين لذلك، العارفين بمدلولات الكلام العربي، وعمر بن الخطاب، وحسان بن ثابت، وحارث بن النعمان الفهري، وقد مرت عليك أقوالهم. إذا كما لا يجوز تقدم أحد على رسول الله صلى الله عليه وآله فلا يجوز أيضا تقدم أحد على علي عليه السلام فتدبر. وأيضا مما دلنا على أن المراد من (المولى) هو الأولى الذي يكون بمعنى الإمامة والإمارة: تهنئة الصحابة لعلي عليه السلام كما تقدم، وليس الباعث لهم على التهنئة المذكورة حينما سمعا من النبي صلى الله عليه وآله ما قال إلا فهما من المولى وهو الإمارة والإمامة، ذلك هو الأمر الذي يحق من

===== Page 171 =====

أجله أن يهنئا به عليا عليه السلام، لا معنى الناصر والنصرة المعلوم لديهم، المحقق عندهم وعنده عليه السلام وأنه ليس مما يحسن ويجمل بأن يهنئه الصحابة بأمر متصف قبل ذلك به، ومن لوازمه وأوصافه. كما وأن الباعث لعمر بن الخطاب على أن يصنع لعلي ما لا يصنعه لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وقوله: إنه مولاي (1)، وهو ما فهمه وعلمه من معنى الإمارة والإمامة، لا معنى الناصر، فإنه يكون جوابا تافها، إذ معناه أنه ناصري! فمتى جهل السائل نصرة أصحاب النبي صلى الله عليه وآله بعضهم بعضا حتى يجيب عمر بن الخطاب بأن عليا ناصري؟! ولو كان ذلك المعنى مقصودا للنبي صلى الله عليه وآله وفهمه عمر بن الخطاب فلماذا يتأثر ويستنكر، ويستكبر، ويتذمر عندما جاء إليه أعرابيان يختصمان، فقال لعلي عليه السلام: اقض بينهما يا أبا الحسن. فقال أحدهما متهكما: هذا يقضي بيننا! فاستكبر عمر ذلك من الأعرابي، فوثب إليه، وقال وهو غضبان: ويحك! ما تدري من هذا؟ هذا مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة؟! وقد نازع عمر رجل في مسألة، فقال عمر: بيني وبينك هذا الجالس - وأشار إلى علي عليه السلام - فقال الرجل: هذا الأبطن! فلما عرف

===== Page 172 =====

عمر من حال الرجل الانتقاص لعلي عليه السلام والاستهزاء به، والاستصغار له، نهض عمر عن مجلسه، وأخذ بتلبيبه (1) حتى رفعه من الأرض، ثم قال: أتدري من صغرت مولاي ومولى كل مسلم؟! تأمل أيها القارئ المنصف لما قال، فإنه قال له: أتدري من صغرت، مولاي ومولى كل مسلم؟! نقل ذلك محب الطبري في الرياض النضرة: 2 / 170، وأخرجه الخوارزمي في مناقبه ص 97 بطرقه الصحيحة المعتبرة عن عمر (2). فلو لم يفهم عمر من لفظ (مولى) الإمارة، لأجاب بأن هذا ناصري وناصر كل مسلم! فانظر لما دخل عمر من الانفعال والتأثر من قول خصمه في علي عليه السلام، وقل لي بشرف الحق: إن كان استكباره، واستنكاره، وانزعاجه، وتأثره من أعرابي همجي لأنه صغر ناصره، فأراد أن يعلم الرجل في ذلك الحال، بذلك النهوض بأن (من) لم يكن ناصر علي عليه السلام، فليس بمؤمن، أوليس بمسلم، (ثم) أهذا هو الذي أزعج عمر وأغضبه واستعظمه واستبشعه،

===== Page 173 =====

أم شيئا آخر وراء ذلك كان أحرى بأن ينهض له عمر منزعجا عن مجلسه، وأجدر بأن يغضب من أجله؟ بلى وأيم الحق لم يزعجه ويغضب له ما كان يعلمه ويعهده في علي عليه السلام وأنه الأولى بالمؤمنين، فأراد من ذلك النهوض والاستعظام والاستنكار والتوبيخ لمن صغره أو استهان به، فأظهر حينذاك ما سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وأكد عليه وعلى المؤمنين وقتئذ بحيث أقبل عليه، هو وجماعة المؤمنين، يهنئونه فيما حباه الله تعالى بأنه عليه السلام مولاه ومولى كل مسلم، وأن من لم يكن مولاه، فليس بمسلم، ولو لم يكن بغير ولاية النبي صلى الله عليه وآله فلا مناسبة لذلك الحال من عمر، مع كون المراد من (المولى) هو الناصر، إذن فكيف يدور في الخلد، أو يقع في الوهم بأن المراد من (المولى) هو الناصر؟ أهكذا يفهم الكلام العربي، ويكون معنى الكلام الفصيح والمنطق البليغ، وتلك هي المطابقة لمقتضى الحال؟! إضافة على ذلك كله إن معنى (المولى) بمعنى الناصر يستلزم تكذيب قول رسول الله صلى الله عليه وآله الصادق الأمين - والعياذ بالله من ذلك - إذ كم وقع في الأمة بعه من انقلاب في الدين واختلال في النظام أسفر عنهما ظالم جائر، ومظلوم مقهور، ومرتد ناكث كل ذلك بمرأى من أمير المؤمنين علي عليه السلام ومسمعه وهو جليس داره ما ينيف على عشرين سنة، لم يتمن من نصرة أحد حتى لمن في بيته، ويحدثنا التاريخ بنصرته أو انتصار الأمة به، إذا فأين قوله صلى الله عليه وآله:

===== Page 174 =====

(من كنت مولاه فهذا علي مولاه) يعني ناصره؟ وأين نصرة علي عليه السلام في تلك المدة؟ ومن انتصر به وهو بذلك الحال؟ ثم إن ما أوله ذوي الأغراض الفاسدة، والأخلاق المرذولة، كابن حجر في صواعقه (الفصل الخامس) من الباب الأول، والقوشجي في شرح التجريد، ومن حذا حذوهما، من أن المراد هو المحب والناصر كما تقدم، فهو بديهي البطلان لمنافاته لما صدر به النبي صلى الله عليه وآله كلامه، مع أن الحب والنصرة من الأمور التي يعرفها جميع المسلمين، فهي غنية عن البيان لمزيد الآيات والأحاديث فيها. وقد جاء في القرآن المجيد قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ (١) ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ (٢) ﴿أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ (3) فلا يحتاج بيانها لأن ينزل الوحي مهددا لرسول الله صلى الله عليه وآله بعدم تبليغ رسالته إن لم يبلغ ذلك، فيصدع الرسول صلى الله عليه وآله بما أمر، ويتحمل تلك المشقة العظمى، فينزل مائة وعشرين ألف صحابي أو أكثر في تلك الرمضاء، ويصعد رحال الإبل، ويخطب تلك الخطبة، ويأخذ بيد علي عليه السلام فيرفعها قائلا: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه) فتحمل تلك المشاق دليل على أن المقصود أمر عظيم محتاج إلى هذا البيان، ألا وهو الأولوية بأمور الناس. ثم إنه لو كان المقصود بيان الحب والنصرة، فلم نزلت آية إكمال

===== Page 175 =====

الدين وإتمام النعمة عند نزول الوحي بالإخوة بين المسلمين؟ أقول: ففي هذا كفاية لأولي الأبصار، وحجة تقطع على الخصم الاعتراض على دعوى الشيعة في مدعاهم بخلافة أمير المؤمنين علي عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بلا فصل. ولنا أدلة كثيرة أخرى على إثبات مدعانا في أمر خلافة علي عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله مباشرة غير الذي ذكرنا، فنحيل القارئ إلى مظانها، فهناك طائفة كبيرة من علماء المسلمين من الفريقين، ألفوا كتبا جمة مطولة ومختصرة في موضوع الغدير الأغر، وأما ما ذكروه في ضمن موسوعاتهم، فهي مما لا تحصى كثرة، ولم تستقصى عدا. واعلم إنما قدمناه لك خمس آيات من القرآن المجيد وهي: (آية الولاية) و (وآية التطهير) و (آية المباهلة) و (آية المودة) و (آية التبليغ)، وهذه الآيات تدل على اختصاص أمير المؤمنين علي عليه السلام بالخلافة فورا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله بلا فصل بنص قاطع لا يدع لمنكر مساغا في الرد علينا بمدعانا في تثبيت علي عليه السلام، وقد انجلى بهذه الآيات الخمسة التي أوردها علماء الإسلام وصححها أكابر علماء السنة عدا علماء الشيعة في أمر الخلافة لعلي عليه السلام. فينبغي لكل ذي ضمير حر، ووجدان صحيح أن يستسلم، ويدع المنابذة الكائنة بين الفريقين (الشيعة والسنة) إذ أن الشيعة لم يأتوا شيئا إدا، بل أثبتوا مدعاهم من القرآن والسنة جميعا، فأي لوم على من أثبت مدعاه من كتاب الله وسنة نبيه، مع

===== Page 176 =====

انضمام أقوال كثير من فطاحل علماء مخالفي مذهبه؟ وزيادة على ما قدمنا لك فقد ذكر الإمام السعيد الشهيد، المجاهد الأكبر في سبيل الله السيد القاضي نور الله التستري (رحمه الله) في المجلد الثالث من إحقاق الحق طبع (طهران) أربعا وثمانين آية أخرى من الآيات النازلة في شأن أمير المؤمنين علي عليه السلام وسائر أهل البيت عليهم السلام وذكر مداركها من كتب العامة، فراجع هناك يغنيك عن تفصيلنا في هذا الاملاء (1).

===== Page 177 =====

فبالله عليك أيها القارئ الكريم المنصف، أفيسوغ بعد هذا كله أن يشك أحد، أو يرتاب في أولوية علي عليه السلام بالخلافة ووصايته، اللهم إلا أن يكون مكابرا لنفسه، أو معاندا لوجدانه، ويغض الطرف عما أتينا مع أنها في الوضوح كالنار على المنار، والشمس في رابعة النهار. ولعمر الله ما أدري أي معذرة أعدها القوم (السنة) ليوم الحساب الذي تشخص فيه الأبصار، يوم تبلغ فيه القلوب الحناجر؟! فإلى متى هذا الإعراض عن وقوفهم على كتب الشيعة الأبرار؟! وإلى متى هذا اللجاج واللداد والعناد؟! وإلى متى هذا الاجحاف في حق رسول الله صلى الله عليه وآله ووصيه وخدنه أمير المؤمنين عليه السلام؟!. اللهم فاشهد إنا قد أتممنا الحجة، وأوضحنا المحجة، وسهلنا السبيل لإخواننا (السنة)

===== Page 178 =====

اللهم اهدهم كما هديتنا، وارشدهم كما أرشدتنا، فإنك الهادي والمرشد إلى سواء السبيل، وقد قلت في كتابك: (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) (١) وقلت: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ (2).

ب - الشيعة والسنة النبوية

===== Page 179 =====

الشيعة والسنة النبوية الشيعة: هم الذين أخذوا بالسنة السنية، والطريقة النبوية التي جاء بها سيد الأنبياء صلى الله عليه وآله لم يحيدوا عنها قيد شعرة أبدا من يوم إعلان الدعوة حتى اليوم، وإلى ما بعد اليوم، متمسكين بعروتها الوثقى، سالكين صراطها المستقيم، آخذين عن أئمة أطهار معصومين عن الخطأ، سنة متبعة لا ريب فيها ولا ارتياب، قيمة لا عوج فيها ولا اعوجاج، لا يأخذون براوية إلا من طريق أئمتهم بسندهم الموثوق إمام معصوم، عن إمام مثله، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، عن جبرئيل، عن الرب الجليل ليس إلا. هذا ولم يرو لنا أصحاب السير والتواريخ أن أحدا من الأئمة الاثني عشر أخذ من صحابي أو تابعي أو غيره، فقد أخذ الناس العلم عنهم، ولم يأخذوه عن أحد. قال الإمام الصادق عليه السلام: عجبا للناس أنهم أخذوا علمهم كله عن رسول الله صلى الله عليه وآله فعملوا به واهتدوا، ويرون أنا أهل البيت لم نأخذ علمه، ولم نهتد به!! ونحن أهل بيته وذريته، في منازلنا نزل الوحي، ومن عندنا خرج العلم إلى

===== Page 180 =====

الناس، أفتراهم علموا واهتدوا، وجهلنا (نحن) وضللنا!؟ (إن هذا لمحال) (1). وقال الإمام الباقر عليه السلام: لو كنا نحدث الناس برأينا وهوانا لهلكنا، ولكنا نحدثهم بأحاديث نكنزها عن رسول الله صلى الله عليه وآله كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم (2). وقال الإمام الصادق عليه السلام: حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين، حديث رسول الله، وحديث رسول الله قول الله (3). وقال عليه السلام: من حدث عنا بحديث فنحن مسائلوه عنه يوما، فإن صدق علينا فإنما يصدق على الله وعلى رسوله، وإن كذب علينا فإنما يكذب على الله وعلى رسوله لأنا إذا حدثنا لا نقول قال فلان وفلان، إنما نقول: قال الله، وقال رسوله.

===== Page 181 =====

ثم إن الشيعة لم تعمل بأي حديث ورد عن أي محدث، أو رواية وردت عن أي راو إلا إذا كانت موافقة للروايات الواردة من طريقة أئمة الهدى من العترة الطاهرة عليهم السلام يصححها القرآن الكريم عند عرضها عليه. لأنهم يعلمون علم اليقين ما حديث في عصر بني أمية خصوصا في زمن الطاغية (معاوية) (1) العصر الذي صار فيه الحديث متجرا، يعطى الراوي أجرة على حسب ما يكون وقع حديثه في النفوس، وتأثيره فيها مدحا أو قدحا كما في في رواية رواها ثقات معاوية: (الأمناء على الدين ثلاثة: أنا وجبرئيل ومعاوية)!!! وكرواية جعله كاتب الوحي!!، وخال المؤمنين!. وكحديث يوم فتح مكة: (من دخل دار أبي سفيان كان آمنا)! كأنه صار حرما كحرم البيت الحرام!. الخطب الأفظع أنه كثرت الروايات في ذم الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام وشتمه، وشتم آله حتى شتم على سبعين ألف منبرا!! وكيفية الشتم جاء في كثير من مصادر العامة غير أن قلمنا لم يطاوعنا في تسجيل اللفظ بعينه، والمشتكى إلى الله، فلا حول ولا قوة إلا بالله (2).

===== Page 182 =====

لهذا وغيره لا يقبلون الرواية عن مثل هؤلاء الرواة الوضاعين والدساسين الدجالين، وقد سمى معاوية نفسه ومواليه بأهل السنة والجماعة في ذلك العصر المظلم كيدا لشيعة علي عليه السلام، فالشيعة في الحقيقة وفي الواقع هم السنيون إذ أنهم أخذوا السنة من منبعها العذب الصافي (1)، استقاها أبرار ورواة أخيار، وكانوا يأخذون الحديث والسنة النبوية من أئمتهم وسادتهم وقادتهم، ويتلقون منهم كمن يتلقى عن سيد الأنبياء لأنهم يعتقدون أن ما عندهم عن الرسول من غير تصرف واجتهاد منهم، ولذا كانوا يأخذون منهم مسلمين من دون شك واعتراض، ويسألونهم عن كل شئ يحتاجون إليه فكان حديثهم المروي يجمع كل شئ. وهذا الإمام الصادق عليه السلام اجتمع عنده كثير من الفطاحل والنوابغ والجهابذة، وقد بلغوا من الكثرة ما يفوق حد الاحصاء حتى أن أبا الحسن الوشاء، قال لبعض أهل الكوفة: أدركت في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - أربعة آلاف شيخ من أهل الورع والدين كل يقول:

1 - حديث الدار أو حديث الإنذار

===== Page 183 =====

حدثني جعفر بن محمد عليه السلام. وسنورد عليك نبذة من الأحاديث والأخبار والسنن النبوية التي هي طافحة في إثبات مدعى الشيعة وأحقيتهم على ما جاء عن صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله والأئمة الأطهار عليهم السلام نذكرها من كتب السنة والجماعة، وإليك منها. حديث الدار أو حديث الانذار وهو قول النبي صلى الله عليه وآله: (هذا علي أخي، ووزيري، ووصيي، وخليفتي من بعدي). أخرجه كثير من الحفاظ، وأئمة الحديث، وأهل السير والتواريخ من الفريقين في صحاحهم، ومسانيدهم، واعترفوا بصحته بخوعا بعظمته، وكثرة رواته، وتلقاه المؤرخون من الأمة الإسلامية وغيرها بكل قبول، ملقين إليه بسلاح النظر والتفكير، إذ أنه ظهر بين الرواة ظهورا واضحا لا غبار عليه، وأرسل في صحيفة التاريخ إرسال المسلم. وقد صدر هذا الحديث عن صاحب الرسالة في بدء الدعوة. ونص الحديث على ما ذكره الطبري في تاريخه (1) عن أبي حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد

===== Page 184 =====

الغفار بن القاسم، عن المنهال بن عمر، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، عن عبد الله بن العباس، عن علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ (1) دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا علي! إن الله أمرني أن أنذر عشيرتك الأقربين، فضقت بذلك ذرعا، وعرفت إني متى أبادئهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمت عليه حتى جاء جبرئيل، فقال: (يا محمد! إنك إلا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك)! فاصنع لنا صاعا من الطعام، واجعل عليه رجل شاة، واملأ لنا عسا من لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به. ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم له، وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه، فيهم أعمامه: أبو طالب، حمزة، والعباس، وأبو لهب، فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به، فلما وضعته تناول رسول الله صلى الله عليه وآله جذية من اللحم، فشقها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الصحفة، ثم قال: خذوا بسم الله. فأكل القوم حتى مالهم بشئ حاجة، وما أرى إلا موضع أيديهم، وأيم الله الذي نفس علي بيده، وإن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم.

===== Page 185 =====

ثم قال: إسق القوم. فجئتهم بذلك العس، فشربوا حتى رووا منه جميعا، وأيم الله، إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله. فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يكلمهم، بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لقد سحركم صاحبكم!! فتفرق القوم، ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: (الغد يا علي، إن هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول)، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم، فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت، ثم اجمعهم إلي). قال: ففعلت، ثم جمعتهم، ثم دعاني بالطعام، فقربته لهم، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتى مالهم بشئ حاجة، ثم قال: أسقهم، فجئتهم بذلك العس، فشربوا حتى رووا منه جميعا. ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: (يا بني عبد المطلب! إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي، وخليفتي فيكم)؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعا، وقلت - وإني لأحدثهم سنا، وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأحمشهم ساقا -: أنا يا نبي الله، أكون وزيرك عليه. فأخذ برقبتي، ثم قال: (إن هذا أخي، ووصيي، وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا). قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب:

===== Page 186 =====

قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع. قال العلامة الحجة الأميني في كتابه الغدير (1) بعد ذكر هذا الحديث: وبهذا اللفظ أخرجه أبو جعفر الإسكافي المتكلم المعتزلي البغدادي المتوفى 240 في كتابه (نقض العثمانية) وقال: إنه روي في الخبر الصحيح (2). ورواه الفقيه برهان الدين في (أنباء نجباء الأنباء) ص 44 - 48، وابن الأثير في الكامل ص 24، وأبو الفداء عماد الدين الدمشقي في (تاريخه) ج 1 ص 116، وشهاب الدين الخفاجي في (شرح الشفا) للقاضي عياض ج 3 ص 137 وبتر آخره، وقال: ذكر في دلائل البيهقي، وغيره بسند صحيح. والخازن علاء الدين البغدادي في (تفسيره) ص 390، والحافظ السيوطي في (جمع الجوامع) كما في ترتيبه ج 6 ص 392 نقلا " عن الطبري، وفي ص 397 عن الحفاظ الستة: أبي إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبي نعيم، والبيهقي. وابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة) ج 3 ص 254، وذكره المؤرخ جرجي زيدان في (تاريخ التمدن الإسلامي): ج 1 ص 31، والأستاذ محمد حسنين هيكل في (حياة محمد) ص 104 من الطبعة الأولى.

===== Page 187 =====

ورجال السند كلهم ثقات إلا أبو مريم عبد الغفار بن القاسم فقد ضعفه القوم، وليس ذلك إلا لتشيعه، فقد أثنى عليه ابن عقدة وأطراه، وبالغ في مدحه كما في (لسان الميزان) ج 4 ص 43 وأسند إليه، وروى عنه الحفاظ المذكورون، وهم أساتذة الحديث، وأئمة الأثر، والمراجع في الجرح والتعديل، والرفض والاحتجاج. ولم يقذف أحد منهم الحديث بضعف أو غمز، لمكان أبي مريم في إسناده، واحتجوا به في دلائل النبوة، والخصائص النبوية. وصححه أبو جعفر الإسكافي، وشهاب الدين الخفاجي كما سمعت، وحكى السيوطي في (جمع الجوامع) كما في ترتيبه ج 6 ص 396 تصحيح ابن جرير الطبري له، على أن الحديث ورد بسند آخر رجاله كلهم ثقات كما يأتي، أخرجه أحمد في مسنده ج 1 ص 111 بسند رجاله كلهم من رجال الصحاح بلا كلام، وهم: شريك، الأعمش، المنهال، عباد. وليس من العجيب ما هملج به ابن تيمية من الحكم بوضع الحديث، فهو ذلك المتعصب العنيد، وأن من عادته إنكار المسلمات، ورفض الضروريات، وتحكماته معروفة، وعرف منه المنقبون أن مدار عدم صحة الحديث عنده هو تضمنه فضائل العترة الطاهرة!!! ثم ذكر العلامة الأميني صورة ثانية فراجع، وقال: أخرجه الإمام أحمد في مسنده ج 1 ص 159 عن عفان بن مسلم الثقة المترجم له ج 1 ص 86 عن أبي عوانة الثقة المترجم له ج 1 ص 78 عن عثمان بن المغيرة

===== Page 188 =====

الثقة، عن أبي صادق مسلم الكوفي الثقة، عن ربيعة بن ناجذ التابعي الكوفي الثقة، عن علي أمير المؤمنين عليه السلام. وبهذا السند والمتن أخرجه الطبري في تاريخه ج 1 ص 217، والحافظ النسائي في الخصائص ص 18. وصدر الحافظ الگنجي الشافعي في الكفاية ص 89، وابن أبي الحديد في (شرح النهج) ج 3 ص 255، والحافظ السيوطي في (جمع الجوامع) كما في ترتيبه 6 ص 408، وذكر الحديث. صورة ثالثة عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: لما نزلت (وأنذر عشيرتك الأقربين) دعا بني عبد المطلب، وساق الحديث فراجع، ثم قال: أخرجه الحافظ ابن مردويه، بإسناده ونقله عنه السيوطي في (جمع الجوامع) كما في كنز العمال ج 6 ص 401. وذكر للحديث أيضا " صورة رابعة - بعد ذكر صدر الحديث -: ثم قال رسوله الله صلى الله عليه وآله: (يا بني عبد المطلب، إن الله بعثني إلى الخلق كافة، وإليكم خاصة، فقال: (وأنذر عشيرتك الأقربين) وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان، ثقيلتين في الميزان: شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فمن يجيبني إلى هذا الأمر، ويؤازرني، يكن أخي، ووزيري، ووصيي، ووارثي، وخليفتي من بعدي). فلم يجبه أحد منهم، فقام علي، وقال: أنا يا رسول الله. قال: إجلس. ثم أعاد القول على القوم ثانيا "، فصمتوا، فقام علي، وقال: أنا يا رسول الله.

===== Page 189 =====

فقال: إجلس. ثم أعاد القول على القوم ثالثا "، فلم يجبه أحد منهم، فقام علي، فقال: أنا يا رسول الله. فقال: (إجلس، فأنت أخي ووزيري، ووصيي، ووارثي، وخليفتي من بعدي). أخرجه الحافظان ابن أبي حاتم واليعقوبي، ونقله عنهما ابن تيمية في (منهاج السنة) ج 4 ص 80 وعنه الحلبي في سيرته ج 1 ص 304. ثم قال: صورة خامسة، في حديث قيس ومعاوية فيما رواه التابعي الكبير صادق الهلالي في كتابه عن قيس. ثم قال: صورة سادسة، أخرجه أبو إسحاق الثعلبي المتوفى سنة 427 المترجم ج 1 ص 101 في تفسيره (الكشف والبيان). رواه مسندا " وبهذا السند والمتن أخرجه صدرا الحفاظ الگنجي الشافعي في الكفاية ص 89. ثم قال: في صورة سابعة، أخرجه أبو إسحاق الثعلبي في (الكشف والبيان) عن أبي رافع، إلى قوله: وذكر الحديث عبد المسيح الأنطاكي المصري المسيحي في تعليقه على (العلوية المباركة) ص 76 ولفظ ذيل الحديث فيه: (فمن يجيبني إلى هذا الأمر) وذكر الحديث نظما "، راجع الجزء الثاني من كتاب (الغدير) للعلامة الحجة الأميني ص 284. وقد قال الإمام الأكبر، فقيد الإسلام السيد عبد الحسين شرف الدين (رحمه الله) في كتابه (المراجعات) ص 119:

===== Page 190 =====

وهذا الحديث - أي حديث الدار المتقدم - أورده الكتاب الاجتماعي محمد حسنين هيكل المصري في الطبعة الأولى - من كتابه (حياة محمد صلى الله عليه وآله) لكنه لم يذكره في الطبعة الثانية والثالثة!! أقول: وقد قامت الضجة حول إثباته الحديث، وهو صريح في استخلاف علي أمير المؤمنين عليه السلام وحين قيام الضجة نشر في جريدته (السياسة المصرية) مصادر هذا الحديث، فراجع العمود الثاني من الصفحة الخامسة من ملحق (عدد) 2751 من جريدته (السياسة المصرية) الصادر في 12 ذي القعدة سنة 1350 ه‍ تجده مفصلا "، وإذا راجعت العمود الرابع من ص 6 من ملحق (عدد) 2785 من (السياسة) تجده ينقل الحديث عن كل من: مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند، وابن حجر الهيثمي في مجمع الفوائد، وابن قتيبة في عيون الأخبار، وابن عبد ربه في العقد الفريد، وعمرو بن بحر الجاحظ في رسالته، عن بني هاشم، والثعلبي في تفسيره. قلت: ونقل الحديث (جرجس) الإنجليزي في كتابه الموسوم (مقالة في الإسلام) وقد ترجمه إلى العربية ذلك الملحد البروتستاني الذي سمى نفسه بهاشم العربي!! والحديث تجده في ص 79 من ترجمة المقالة في الطبعة السادسة. ولشهرة هذا الحديث ذكره عدة من الإفرنج في كتبهم الفرنسية والإنجليزية، والألمانية، واختصره (توماس كارليل) في كتابه (الأبطال).

===== Page 191 =====

أقول: ففي هذا الحديث الشريف دلالة واضحة، وحجة قاطعة على أن الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله هو علي بن أبي طالب عليه السلام لأن النبي صلى الله عليه وآله أصدر هذا الأمر في أول بدء الدعوة، واستوزر بها عليا " عليه السلام إذ لم يتصد لها غيره من القوم الذين حضروا الدار في المرات الثلاث، وفي كلها ينهض علي عليه السلام قائلا: أنا يا رسول الله. وفي آخرها قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: (أنت أخي، ووزيري، ووصيي، وخليفتي من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا) (1).

===== Page 192 =====

فبربك أيها القارئ الحر المنصف، هل يوجد هناك نص أصرح من هذا بخلافة علي عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله مباشرة؟! يا مسلمون! فلماذا هذا التعصب مع وجود النص الصريح الوارد في كتب القوم (السنة) على أن الخلافة فورية، وإرجاؤها دعوى تحتاج إلى دليل هناك؟!

2 - حديث الثقلين

===== Page 193 =====

حديث الثقلين وهو قول النبي صلى الله عليه وآله: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا ") بلغ هذا الحديث الشريف من الشهرة ما أغنى استطراد مصادره، فإنه قد رواه الفريقان، واعترفت به الفرقتان، وعرفه الخاص والعام، بل حفظه الصغير والكبير، والعالم والجاهل، فهو فاكهة الأندية وفي مذاق الأفواه حتى كاد أن يتجاوز حد التواتر. غير أن الرواة اختلفوا في نص هذا الحديث الشريف اختلافا كثيرا "، إلا أن الاختلاف الذي جاء فيه لا يغير مفاده، ولا يجعل منه منزعا " للتأويل الزائغ، ولا ذريعة للفرار عما ألزم به منطوقه. وهذا الاختلاف يشهد لما قيل من أن رسول الله صلى الله عليه وآله نطق بمفاد هذا الحديث الشريف في عدة مواطن، مراعيا " وحدة المعنى والغرض، كما أن تعدد الرواة له، وتعدد الطرق لروايته ينبئنا عن تعدد تلك المواطن، ومن تلك المواطن: حجة الوداع، يوم عرفة عند مجتمع الناس، ومنها الغدير في خطبته، ومنها مرض موته عند وصاياه لأمته (1).

===== Page 194 =====

وسنذكر لك أيها القارئ اللبيب بعض من أخرج هذا الحديث الشريف من أئمة أهل السنة قديما " وحديثا " في كتبهم من الصحاح، والسنن، والمسانيد، والتفاسير، والسير، والتواريخ، واللغة، وغيرها بأسانيد عديدة، وطرق شتى، وطرق شتى، وذلك لزيادة الإيضاح والاطمئنان، وتتميما " للفائدة. أخرج أحمد بن حنبل في مسنده (1) عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله عز وجل، وعترتي، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإن اللطيف الخبير أخبرني بهما أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما). وأخرج أيضا " في نفس المصدر ص 26 عن أبي سعيد الخدري حديثا " آخر. وأخرج أيضا " في نفس المصدر ص 59 عن أبي سعيد الخدري حديثا " آخر. وأخرج في الجزء الرابع ص 367 عن زيد بن أرقم حديثا " آخر. وفي صحيح مسلم (2) قال النبي صلى الله عليه وآله:

===== Page 195 =====

(وأنا تارك فيكم الثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي). وذكر مسلم أيضا " في صحيحه الجزء السابع ص 122 حديثا " آخر. وأخرج المتقي الهندي في كنز العمال (1) حديثا " يقرب من حديث مسلم المتقدم. وفي صحيح الترمذي (2) عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في حجته يوم عرفة، وهو على ناقته القصوى، يخطب فسمعته يقول: (يا أيها الناس، إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي). قال الترمذي - بعد إيراده الحديث - وفي الباب عن أبي ذر، وأبي سعيد، وزيد بن أرقم، وحذيفة بن أسيد. وفيه أيضا ": عن زيد بن أرقم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما).

===== Page 196 =====

قال الترمذي - بعد إيراده الحديث -: هذا حديث حسن. وأخرج هذا الحديث الطبري في ذخائر العقبى ص 16. وأخرج الحاكم في المستدرك (1) عن زيد بن أرقم، أن النبي صلى الله عليه وآله قال في حجة الوداع: (إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله تعالى، وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض). وذكر الحاكم هذا الحديث أيضا " في ص 148 و 532 من مستدركه، وقال - بعد إيراده الحديث -: إنه صحيح على شرط الشيخين. وقد أورد هذا الحديث الذهبي في تلخيص المستدرك. وقد أخرج القندوزي الحنفي حديث الثقلين في ينابيع المودة (2) من طرق شتى. وأخرج ص 36 عن الإمام الرضا عليه السلام أنه قال في العترة: وهم الذين قال رسوله الله صلى الله عليه وآله: (إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، أيها الناس إنكم لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم). وأخرجه ابن كثير في تفسيره ج 3 ص 486.

===== Page 197 =====

وقد أخرج ابن حجر في صواعقه لحديث الثقلين طرقا " كثيرة، ففي الباب الحادي عشر منها بعد أن صرح بكثرة طرقه، قال: إعلم أن لحديث التمسك بذلك طرقا " كثيرة، وردت عن نيف وعشرين صحابيا "، ومر له طرق مبسوطة في الشبهة الحادية عشرة، وفي بعض تلك الطرق أنه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة، وفي أخرى أنه قال بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي أخرى أنه قال ذلك بغديرهم خم، وفي أخرى أنه قال [ذلك] لما قام خطيبا " بعد انصرافه من الطائف كما مر. ولا تنافي إذ لا مانع من أنه كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماما " بشأن الكتاب العزيز، والعترة الطاهرة (1). وفي تاريخ اليعقوبي (2) قال النبي صلى الله عليه وآله: (أيها الناس إني فرطكم، وأنتم واردون علي الحوض، وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما). قالوا: وما الثقلان يا رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: (الثقل الأكبر كتاب الله سبب طرفه بيد الله، وطرف بأيديكم فاستمسكوا به ولا تضلوا ولا تبدلوا، وعترتي أهل بيتي). إلى غير ذلك مما يطول الكلام باستقصاء ذكرهم كالطبري في ذخائر العقبى ص 16، والدارمي في سننه: ج 2 ص 432، والنسائي

===== Page 198 =====

في خصائصه ص 30، والگنجي الشافعي في كفاية الطالب الباب الأول ص 11 في بيان صحة خطبته بماء يدعى خما "، قال بعد نقل الحديث: أخرجه مسلم في صحيحه. ورواه أبو داود، وابن ماجة القزويني في كتابيهما، وأيضا " في الباب الحادي والستين ص 130، وأبو نعيم الأصفهاني في حليته: ج 1 ص 355، وابن الأثير الجزري في أسد الغابة: ج 2 ص 12 و ج 3 ص 147، وابن عبد ربه في العقد الفريد: ج 2 ص 346 و 158 في خطبة النبي صلى الله عليه وآله في حجة الوداع. وابن الجوزي في تذكرة الخواص الباب الثاني عشر ص 332 قال بعد نقل قول جده: وقد أخرجه أبو داود في سننه، والترمذي أيضا "، وذكره رزين في الجمع بين الصحاح، والعجب كيف خفي عن جدي ما روى مسلم في صحيحه من حديث زيد بن أرقم، الخ. والحلبي الشافعي في إنسان العيون: ج 3 ص 308. والثعلبي في الكشف والبيان في تفسير آية الإعتصام، وفي تفسير آية الثقلان، والفخر الرازي في تفسيره: ج 3 ص 18 تفسير آية الإعتصام، والنيسابوري في تفسيره: ج 1 ص 349 تفسير آية الإعتصام. والخازن في تفسيره: ج 1 ص 257 في تفسير آية الإعتصام، وفي الجزء الرابع ص 94 في تفسير آية المودة، وأيضا " في تفسير آية (سنفرغ

===== Page 199 =====

لكم أيها الثقلان) (1) ص 212. وابن كثير الدمشقي في الجزء الرابع ص 113 في تفسير آية المودة، وفي الجزء الثالث ص 485 في تفسير آية التطهير، وأيضا " في تاريخه في الجزء الخامس أو السادس في ضمن حديث الغدير، وابن أبي الحديد في شرح النهج الجزء السادس ص 130 في معنى العترة. والشبلنجي في نور الأبصار ص 99. وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة ص 25. والحمويني في فرائد السمطين بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، والبغوي الشافعي في مصابيح السنة ج 2 ص 205 و 206. قال الإمام شرف الدين (ره) في مراجعاته ص 42: والصحاح الحاكمة بوجوب التمسك بالثقلين متواترة، وطرقها عن بضع وعشرين صحابيا " متظافرة، وقد صدع بها رسول الله صلى الله عليه وآله في مواقف له شتى: تارة يوم غدير خم كما سمعت، وتارة يوم عرفة في حجة الوداع، وتارة بعد انصرافه من الطائف، ومرة على منبره في المدينة، وأخرى في حجرته المباركة في مرضه، والحجرة غاصة بأصحابه إذ قال: (أيها الناس يوشك أن أقبض قبضا " سريعا " فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم، إلا إني مخلف فيكم كتاب الله عز وجل وعترتي أهل بيتي)، ثم أخذ بيد علي عليه السلام فرفعها، فقال:

===== Page 200 =====

(هذا علي مع القرآن، والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض) الحديث، ثم قال: أخرجه الطبراني كما في أربعين الأربعين للنبهاني، وفي إحياء الميت للسيوطي. وأنت تعلم أن خطبته صلى الله عليه وآله يومئذ لم تكن مقصورة على هذه الكلمة، فإنه لا يقال عمن اقتصر عليها أنه خطبنا، لكن السياسة كم اعتقلت ألسن المحدثين، وحبست أقلام الكاتبين، ومع ذلك فإن هذه القطرة من ذلك البحر، والشذرة من ذلك البذر كافية وافية والحمد لله، انتهى. وقد أخرج لحديث الثقلين العلامة الحجة الكبير السيد هاشم البحراني في غاية المرام ص 211 تسعة وثلاثين طريقا " من طرق الشيعة عن أهل البيت عليهم السلام!. هذا وقد ذكر هذا الحديث السيد الأجل المبجل، والإمام الأكبر نابغة الإسلام وحجتهم، زعيم الطائفة ووجيههم آية الله العظمى السيد مير حامد حسين النيسابوري، ثم الهندي (ره) في عبقاته. ورواه عن جماعة تقريب من المائتين من أكابر علماء المذاهب من المائة الثانية إلى المائة الثالثة عشرة، وعن الصحابة والصحابيات ص 154 أكثر من ثلاثين رجلا " وامرأة، كلهم رووا هذا الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وآله. أقول: يقطع المنصف بصحة هذا الحديث الشريف الدال بدلالة

===== Page 201 =====

صريحة واضحة على خلافة أمير المؤمنين عليه السلام وأبنائه الأئمة الأحد عشر المعصومين عليهم السلام لأن النبي الأمين صلى الله عليه وآله قرنهم بالكتاب المبين، والقرآن هو المرجع الأول للأمة الإسلامية بلا منازع من بدء الدعوة إلى منتهى الدنيا، وكذلك علي وأبناؤه الميامين الأئمة الأئمة الأحد عشر عليهم السلام ينهون الدنيا كالكتاب العزيز لجعلهما خليفتيه فيها، وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض يوم القيامة، وجعل التمسك بهما شرطا " لعدم الضلال، فمن حاد عنهما هلك وهوى، ولأجل قرنه أهل بيته بكتاب الله المعجز، وأمره الأمة بالتمسك بهما معا "، فلا يجز التمسك بأحدهما دون الآخر، فلا بد لكل مكلف من أن يتمسك بالثقلين معا " لا بالكتاب وحده دون قرينه العترة، ولا بالعترة وحدها دون مصدرها الكتاب، وإنما يكون الأخذ بهما معا " مقترنين، وبعروتيهما معا " متفقين بل ما هما إلا عروة واحدة، لا يمكن التفكيك بين حلقها المتماسك، غير أن العترة اللسان الناطق للكتاب الصامت، فلا نقدر أن نتمسك بالكتب من دون طريقهم لأن معرفة ما فيه يكشف خفاياه، والتمييز بين محكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، وما سوى ذلك لا يكون صحيحا " إلا من بيانهم وإيضاحهم. فالأخذ بهما معا " أخذ بحظ وافر، يرجى للآخذ بهما النجاة بلا ريب، وللمعرض عنهما أو عن أحدهما الهلاك والخسران، وأنه غير ناج إذ أن صاحب الشريعة المقدسة حرض على الأخذ بهما معا "،

===== Page 202 =====

والرسول الأعظم صلى الله عليه وآله لا يأمر بشئ عبثا "، ولا ينهي عن شئ كذلك إذ أنه لا ينطق عن الهوى أن هو إلا وحي يوحى (1) فالواجب المقطوع به التمسك بكتاب الله والعترة الطاهرة لتحصيل النجاة من النار، والفوز العظيم بالنعيم الأبدي. قال الإمام شرف الدين في مراجعاته ص 43: على أن المفهوم من قوله صلى الله عليه وآله (إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي) إنما هو ضلال من لم يتمسك بهما معا "، كما لا يخفى. ويؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله في حديث الثقلين عن الطبراني (فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم). قال ابن حجر وفي قوله صلى الله عليه وآله: (فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم) دليل على أن من تأهل منهم للمراتب العلية والوظائف الدينية كان مقدما " على غيره، إلى آخر كلامه (2).

===== Page 203 =====

أقول: إنما سماها رسول الله صلى الله عليه وآله ثقلين لخطرهما، وعظم قدرهما حيث يعبر في اللغة لكل خطير عظيم (ثقلا ") لأن الأخذ عنهما، ودوام التمسك بهما ليس بالأمر السهل، أو لأن العمل بما أوجب الله تعالى من حقوقهما ثقيل جدا " كما ذكر ذلك جماعة من أعاظم علماء السنة منهم ابن حجر في صواعقه في باب وصية النبي صلى الله عليه وآله ومنهم السيوطي، فدل ذلك على انحصار الخلافة والإمامة فيهم، ولله در القائل: ساووا كتاب الله إلا أنه * هو صامت وهم الكتاب الناطق ويؤخذ من هذا الحديث (1) أيضا " عصمة أهل البيت عليهم السلام كعصمة

===== Page 204 =====

(مخطوط) من طريق الحاكم بثلاث طرق، ومن طريق الترمذي والزرندي في نظم درر السمطين ، وفي ص ٥٦ من طريق الحاكم. والطبراني بطريقين، وأخرجه الأمر تسري في أرجح المطالب: ٣٣٥ من طريق أحمد ومسلم والترمذي والحاكم، ورواه أحمد بن حنبل في المناقب: ٦٠ ح ٩٢، وفي مسنده: ٤ / ٣٦٦ و ص ٣٧١، أخرجه من طريقه: الأمر تسري في أرجح المطالب: ٣٣٦، ومن طريق الطبراني، وكذا عبد الحفيظ الفهري المالكي في كتابه رياض الجنة: ١ / ٢، وأخرجه في ينابيع المودة: ٣٢ نقلا " عن زيادات المسند. ورواه الحافظ الحميدي الأندلسي في الجمع بين الصحيحين (مخطوط) بطريقين، وابن المغازلي في المناقب: ٢٣٤ بطريقين، والمؤرخ ابن حيان في المقتبس: ١٦٧، والنسائي في خصائص أمير المؤمنين عليه السلام: ٩٣ ح ٧٣، والدمشقي في منتخب تاريخ ابن عساكر: ٥ / ٤٣٦، والعلامة البغوي في مصابيح السنة: ٢٠٥ و ٢٠٦، والبغوي المفسر في معالم التنزيل: ٥ / ١٠١، والبسوي: في المعرفة والتاريخ: ٥٣٦ بأربعة أسانيد، والزرندي في نظم درر السمطين: ٢٣١ بطريقين وفي ص ٢٣٣، والبدخشي في مفتاح النجا: ٨ (مخطوط)، وأخرجه السيوطي في زوائد الجامع الصغير على ما في جامع الأحاديث: ٢ (ط. دمشق). وأخرجه في ينابيع المودة: ١٨٣ عن الجامع الصغير، ورواه القدوسي الحنفي في سنن الهدى: ٥٦٥ وفي ص ٣٨ (ملخصا ")، والنبهاني في الأنوار المحمدية: ٤٣٥، وفي كتابه جواهر البحار في فضائل النبي المختار: ١ / ٣٦١، والحسني الإدريسي في رفع اللبس والشبهات: ٥٢، والحضرمي في رشقة الصادي: ٧٠، ومحمد مبين الهندي في وسيلة النجاة: ٤٢، ومحمد معين في دراسات اللبيب: ٢٣١، والميبدي اليزدي في شرح ديوان أمير المؤمنين عليه السلام: ١٨٨ (مخطوط)، واليماني اليزدي في ابتسام البرق في شرح منظومة القصص الحق في سيرة خير الخلق: ٢٥٨، والسمهودي في الإشراف على فضل الأشراف: ٢٤ ، والتونسي في السيف اليماني: ١٠ بعدة طرق، والشيخ سعد الآبي الشافعي في أرجوزته: ٣٠٧ (مخطوط)، والسيد علوي الطاهر الحداد في القول الفصل: ٢٦٢ بعد طرق، وأحمد زيني دحلان الشافعي في السيرة النبوية: ٣ / ٣٣٠ (المطبوع بهامش السيرة الحلبية) وابن حجر الهيثمي في الصواعق المحرقة: ٢٢٦، وأبو العباس بن تيمية الحنبلي في منهاج السنة: ٤ / ١٠٤، والأزدي في تفسيره التبيان: ١٧٧ (مخطوط) في تفسيره (قل لا أسألكم عليه أجرا " إلا المودة في القربى) وابن طولون الدمشقي في الشذورات الذهبية: ٥٣ و ٦٦، والخواجة الحنفي الهندي في علم الكتاب: ٢٥٤ و ٢٦٤، وينابيع المودة: ١٩١، والمتقي الهندي في منتخب كنز العمال: ٥ / ٩٥ (المطبوع بهامش المسند)، والنبهاني في الفتح الكبير: ١ / ٢٥٢ و ٤٥١، وابن حمزة الحنفي الدمشقي في كتاب البيان والتعريف: ١ / ١٦٤، كلاهما من طريق أحمد ومسلم، وعبد بن حميد. وأخرجه ابن كثير الدمشقي في تفسيره: ٩ / ١١٤ (المطبوع بهامش فتح البيان) من طريق أحمد والترمذي. والكشفي الحنفي في المناقب المرتضوية: ٩٧ نقلا " عن صحيح مسلم، والمصابيح والمشكاة، ومشارق الأنوار، وهداية السعداء. ورواه السيوطي في الخصائص الكبرى: ٢ / ٢٦٦، وفي الجامع الصغير: ١١٢. وأخرجه في الإكليل: ١٩٠ من طريق الترمذي وابن الأنباري في المصاحف. ١٦ - زيد بن ثابت: روى الحديث عنه: الطبراني في المعجم الكبير: ٥ / ١٧١ بطريقين، وفي ص ٥٣٧ بطريقين، أخرجه عنه نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد: ٩ / ١٧٠، والبدخشي في مفتاح النجا: ٩ (مخطوط)، والنبهاني في الفتح الكبير: ١ / ٤٥١، والأمر تسري في أرجح المطالب: ٣٣٥، والمناوي في الجامع الأزهر: ٨ / ٤٨٢ (المطبوع في آخر جامع الأحاديث). ورواه أحمد بن حنبل في المناقب: ١٠٢ ح ١٥٤، والهيثمي في مجمع الزوائد: ٩ / ١٦٢، وباكثير الحضرمي في وسيلة المآل: ٥٧ (مخطوط). وأخرجه وفي ص ٢٦٩ ح ٥٦ من طريق أحمد، والطبراني، وكذا في الجامع الصغير: ١ / ٣٥٣. وأخرجه زين الدين عبد الرؤوف في القدير لترتيب شرح الجامع الصغير: ٢ / ٦٣، وأخرجه السيوطي أيضا " في الدر المنثور: ٢ / ٦٠ ح ٢٠، والمتقي الهندي في كنز العمال: ١ / ٣٤٥ نقلا " عن ابن جرير والبدخشي في مفتاح النجا: ٩ (مخطوط) من طريق الحافظين عبد بن حميد وأبي بكر الأنبار، ومن طريق الحاكم عن زيد بن أرقم وزيد بن ثابت. وأخرجه القندوزي في ينابيع المودة: ٣٨ من طريق ابن عقدة في الموالاة، وأورده مرسلا " في ص ١٨٣. وأخرجه الزبيدي في الاحقاق: ١٠ / ٥٠٨ من طريق ابن عاصم في كتابه السنة، وأبو بكر بن أبي شيبة، والطبراني، والترمذي. ١٧ - سعد بن أبي وقاص، طلحة بن الزبير، وعبد الرحمان بن عوف: أخرج الحديث عنهم القندوزي في ينابيع المودة: ٣٥. ١٨ - حمزة (ضمرة الأسلمي) أخرج الحديث عنه: الأمر تسري في أرجح المطالب: ٥٦٣ من طرق ابن عقدة في الموالاة، والسمهودي في جواهر العقدين. ١٩ - عامر بن ليلي بن ضمرة، وحذيفة بن أسيد: أخرج الحديث عنهما: ابن الأثير في أسد الغابة: ٣ / ٩٢ من طريق المدائني، وابن حجر العسقلاني في الإصابة: ٢ / ٢٥٧، وأخرجه الأمر تسري في أرجح المطالب: ٣٣٨ وفي ص ٥٦١ من طريق الحكيم الترمذي في نوادر الأصول. ٢٠ - عبد الله بن حنطب: أخرج الحديث عنه: ابن الأثير في أسد الغابة: ٣ / ١٤٧، والسيوطي في إحياء الميت: ٢٦٠ و ٤٣٦، والهيثمي في مجمع الزوائد: ٥ / ١٩٥ ٢١ - عمرو بن العاص: روى الحديث عنه: الخوارزمي في المناقب: ١٣٠ (في كتاب كتبه عمرو جوابا " لكتاب معاوية بن أبي سفيان). ٢٢ - محمد بن قلاد: أخرج الحديث عنه: الأمر تسري في أرجح المطالب: ٣٤١ من طريق السيد أبو الحسن يحيى بن الحسن في كتابة أخبار المدينة. ٢٣ - نقل الحديث الشريف عن جماعة مرة واحدة: منهم: الساعاتي المصري الشافعي في كتابه بلوغ الأماني: ١ / ١٨٦ و ج ٤ / ٢٦ (المطبوع في ذيل الفتح الرباني) من طريق الترمذي، عن أبي ذر وجابر وحذيفة بن أسيد. وقال ابن حجر في الصواعق: ٧٥ (لهذا الحديث طرق كثيرة عن بضع وعشرين صحابيا ") ومثله الحضرمي في القول الفصل: ١ / ٤٩، وأخرجه ابن كثير الدمشقي في البداية والنهاية: ٧ / ٣٤٨ من طريق أحمد بن حنبل بإسناده عن زيد بن أرقم وعن أبي الطفيل بن وائلة. وأخرجه في ينابيع المودة: ٣٦ عن أمير المؤمنين والحسن بن علي عليهم السلام، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وابن عباس، وزيد بن أرقم، وأبي سعيد الخدري، وأبي ذر وزيد بن ثابت، وحذيفة بن اليمان، وحذيفة بن أسيد، وجبير بن مطعم، وسلمان الفارسي. ونقل الحديث أيضا ": ابن أبي الحديد في شرح النهج: ٢ / ١٣٠ و ٤٣٧ و ج ٩ / ١٣٣، وابن الأثير الجزري في جامع الأصول: ١٠ / ١٠٢، وفي النهاية: ١ / ٢١٦ (مادة ثقل). والزمخشري في الفائق: ١ / ١٧٠، وابن منظور في لسان العرب: ١١ / ٨٨، والحافظ البغوي في معالم التنزيل: ٧ / ٦، والغرناطي ابن عطية في مقدمة تفسيره الجامع المحرر الصحيح الوجيزة: ٢٥٧، والنويري في نهاية الإرب: ١٨ / ٣٧٧، والقسطلاني في المواهب اللدنية: ٧ / ٦، وحسن النجار في كتاب الأشراف: ١٨ ، ومحمد الزبيدي في تاج العروس: ٧ / ٢٤٥، القندوزي في ينابيع المودة: ٣٨ و ١٥٣ و ٢٨٥ و ٢٩٦. والقلندر في الروض الأزهر: ٢٠١ و ٢٩٥ و ٣٤٥ و ٣٥٨ و ٣٧٩ و ٣٨٠، والنبهاني في الشرف المؤبد: ١٨ و ٢٤، وفي الأنوار المحمدية: ٧٨، والحضرمي في رشفة الصادي: ١٧ و ٧٠، والخواجة محمد في علم الكتاب: ٢٥٧، وابن حجر في الصواعق المحرقة: ٢٢٦، والبدخشي في مفتاح النجا: ٣ و ٨ و ١٠٩، والكشفي الحنفي الترمذي في المناقب المرتضوية: ٩٩، وبهجت أفندي في تاريخ آل محمد: ٤٥، ومحمد الأفغاني في كتابه أئمة الهدى: ١٤٨، وابن كثير الدمشقي في تفسيره: ٩ / ١١٣، والحداد الحضرمي في القول الفصل: ٣، وأبو التيسير مدوخ في العدل الشاهد: ١٤٣، وابن عبد ربه في العقد الفريد: ٢ / ١١١، والقاضي عياض في الشفا بتعريف حقوق المصطفى: ٢ / ٢٥٠، وابن تيمية الحنبلي في منهج السنة: ٢ / ٢٥٠. والشعراني في لواقح الأنوار القدسية: ١ / ٢٧٢، وسعدي الآبي في أرجوزته: ٣٠٧ (مخطوط)، وأبو المحاسن الحنفي في المعتصر من المختصر للقاضي أبي الوليد الباجي المالكي: ٢ / ٣٣٠، ومحمد أمين بن فضل المحبي في كتابه جنى الجنتين: ٤٧، والعكبري: في شرح ديوان المتنبي: ٤ / ٣٤٧، والأزدي المالكي الأندلسي في بهجة النفوس: ١ / ٥ و ٤١ و ١٠٨ و ١٣٥ و ج ٣ / ٢٢٧ و ج ٤ / ٤٩، ومحمد السمادي اليماني في رسالته: ٩٠ (مخطوط)، والهمداني في مودة القربى: ١٠، والزبيدي في الإتحاف: ١٠ / ٥٠٧، وباكثير الحضرمي في وسيلة المآل: ١١٩ (مخطوط)، والقيرواني التلمساني في المدخل: ١ / ٢٧٦ و ص ٣٢٨. والمقريزي في فضل آل البيت: ٣٨ ، وأبو الهدى الرفاعي في ضوء الشمس: ٩٩ و ١٢٢، والمولوي اللكهنوي في مرآة المؤمنين: ١٨ و ٨٤، وشمس الدين هندوشاه النخجواني في دستور الكتاب: ١ / ٣٦٤، والميرغني في الدرة اليتيمة في بعض فضائل السيدة العظيمة: ١٢ (مخطوط). وللاطلاع علي الحديث بكامل طرقه وأسانيده ومتونه راجع: عبقات الأنوار للمير سيد حامد الموسوي (مجلد حديث الثقلين )، وملحقات إحقاق الحق: ٩ / 309 - 375 و ج 18 / 261 - 289. (٢١٣)

===== Page 205 =====

الكتاب الذي لا ريب في عصمته لأمر النبي صلى الله عليه وآله برجوع الأمة إليهم من بعده، ولا يتم ذلك إلا لمن عصمه الله من الخطأ والزلل، وبدلالتهم على عصمتهم ثبتت خلافتهم وإمامتهم أيضا "، لكون العصمة شرطا " في الخلافة والإمامة، وغير هؤلاء الأئمة ليسوا بمعصومين بالإجماع.

3 - حديث المنزلة

===== Page 206 =====

حديث المنزلة وهو قول رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: (أما ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) أجمع المسلمون على صحة هذا الحديث الشريف، وأخرجوه في صحاحهم ومسانيدهم بأسانيد معتبرة عديدة، وطرق شتى، وسبب ورود هذا الحديث المبارك على ما ذكره المؤرخون، والمحدثون، وأهل السير: إن النبي صلى الله عليه وآله لما خرج إلى غزوة تبوك، استخلف عليا " عليه السلام في المدينة على أهله، فقال علي عليه السلام: وما كنت أوثر أن تخرج في وجه إلا وأنا معك! فقال: (أما ترضي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي). ولا يمكننا أن نورد في هذا الإملاء أسماء جميع من روى هذا الحديث المبارك الشريف، لكثرة رواته، وتعدد مصادره بطرق مختلفة، نعم نورد عليك بعض رواته من مشاهير علماء السنة تثبيتا " لحجتنا، وتتميما " للفائدة:

===== Page 207 =====

1 - أخرج البخاري في صحيحه في ج 3 ص 54 في كتاب المغازي في باب غزوة تبوك، وفي ج 2 منه أيضا " ص 185 في كتاب بدء الخلق في مناقب علي بن أبي طالب عليه السلام. 2 - وأخرجه مسلم في صحيحه ج 2 ص 236 و 237 في كتاب فضل الصحابة، في باب فضائل علي عليه السلام. 3 - وأخرجه أحمد في مسنده ج 1 ص 98 و ص 118 و 119 في وجه تسمية الحسنين بالحسنين. 4 - وأخرجه الحاكم في (المستدرك) ج 3 ص 109، وصححه على شرط الشيخين. 5 - وذكره ابن عبد البر في (الإستيعاب) ج 2 ص 473 في ترجمة علي عليه السلام. 6 - والمتقي الهندي في (كنز العمال) ج 6 ص 152 و 153. 7 - وابن حجر العسقلاني في (الإصابة) ج 2 ص 507 ترجمة علي صلى الله عليه وآله. 8 - وابن حجر في (الصواعق المحرمة) ص 30 و 74. 9 - والشبلنجي في (نور الأبصار) ص 68. 10 - والسيوطي في (تاريخ الخلفاء) ص 65. 11 - وابن عبد ربه في (العقد الفريد) ج 2 ص 194. 12 - والنسائي في خصائصه ص 7 و 15. 13 - والحافظ أبو نعيم في (حلية الأولياء) ج 7 ص 196.

===== Page 208 =====

14 - وابن هشام في (السيرة) ج 2 ص 520 15 - وأبو الفداء في (البداية والنهاية) ج 7 ص 339. 16 - والمحب الطبري في (ذخائر العقبى) ص 63. 17 - والقندوزي في (ينابيع المودة) ص 204. 18 - والخوارزمي في (المناقب) ص 79. 19 - وابن عساكر في تاريخه ج 4 ص 196. 20 - وابن الأثير في (أسد الغابة) ج 4 ص 26. 21 - وابن أبي الحديد في (شرح النهج) ج 2 ص 495. 22 - والگنجي الشافعي في (كفاية الطالب) ص 148. 23 - وأبو بكر البغدادي في (تاريخ بغداد) ج 11 ص 432. 24 - وابن الجوزي في (صفوة الصفوة) ج 1 ص 120. 25 - والسبط ابن الجوزي في (التذكرة) ص 22. 26 - والذهبي في (تذكرة الحفاظ) ج 2 ص 95. 27 - وابن سعد في (الطبقات الكبرى) ج 3 ص 24. 28 - والحمويني في (فرائد السمطين) (المخطوط). 29 - وابن المغازلي الشافعي في كتابه (مناقب أمير المؤمنين) عليه السلام (مخطوط). هذه طائفة من رواة القوم (السنة) البالغ عددهم 29 شخصا "، قدمناها لك ليتحقق لدى كل قارئ منصف صدق ما نحن عليه من

===== Page 209 =====

الولاية لأئمة الهدى عليهم السلام (1). ثم إن هذا الحديث الشريف مما لا ريب في ثبوته بإجماع المسلمين على اختلافهم في المذاهب والمشارب، وقد اتفق الجميع على صحته حتى صار ذلك إجماعا " منهم. هذا معاوية إمام الفئة الباغية، ناصب أمير المؤمنين عليه السلام وحاربه، ولعنه على منابر المسلمين، وأمرهم بلعنه كما تقدم، ولكنه بالرغم من وقاحته في عداوته لم يجحد حديث المنزلة، وأجراه الله على لسانه مختارا " أو غير مختار كما قلنا غير مرة: (الحق ينطق منصفا " وعنيدا "). ومن شدة بغض معاوية المجرم لعلي عليه السلام قال يوما " لسعد بن أبي وقاص: ما منعك أن تسب أبا تراب؟! فقال له سعد - مع ما هو عليه من البغض لعلي عليه السلام أيضا " -: أما ما ذكرت ثلاثا " قالهن رسول الله فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منها أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله يقول وقد خلفه في بعض مغازيه: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي

===== Page 210 =====

بعدي) الحديث (1). ولقد نقل حديث المنزلة كل من تعرض لغزوة تبوك من المحدثين، وأهل السير والتواريخ. وأيضا " نقله كل من ترجم للإمام أمير المؤمنين عليه السلام من أهل المعاجم في الرجال من المتقدمين والمتأخرين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم. ورواه كل من كتب في مناقب أهل البيت عليهم السلام، وفضائل الصحابة من الأئمة، وهو من الأحاديث المسلمة في كل خلف وسلف. أقول: فدلالة هذا الحديث الشريف على أولوية أمير المؤمنين علي عليه السلام بالخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله مباشرة واضحة جلية، لم تدع لمنكر مجالا " في الرد على الشيعة الأبرار، شيعة أهل البيت عليهم السلام. قال الإمام شرف الدين (ره) في المراجعات: ولا يخفى ما في هذا الحديث الشريف من الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة، على أن عليا " ولي عهده، وخليفته من بعده، ألا ترى كيف جعله النبي صلى الله عليه وآله وليه في الدنيا والآخرة؟ آثره بذلك على سائر أرحامه، وكيف أنزله منه منزلة هارون من موسى؟ ولم يستثن من جميع المنازل إلا النبوة، واستثناؤها دليل العموم. وأنت تعلم أن أظهر المنازل التي كانت لهارون من موسى وزارته

===== Page 211 =====

له، وشد أزره به، واشتراكه معه في أمره، وخلافته عنه، وفرض طاعته على جميع أمته بدليل قوله تعالى: ﴿واجعل لي وزيرا " من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿قد أوتيت سؤلك يا موسى﴾ (٣). فعلي عليه السلام بحكم هذا النص خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله في قومه، ووزيره في أهله، وشريكه في أمره - على سبيل الخلافة عنه لا [على] سبيل النبوة - وأفضل أمته، وأولاهم به حيا " وميتا "، وله عليهم من فرض الطاعة زمن النبي صلى الله عليه وآله - بوزارته له - مثل الذي كان لهارون على أمة موسى زمن موسى [ومن سمع حديث المنزلة فإنما يتبادر منه إلى ذهنه هذه المنازل كلها، ولا يرتاب في إرادتها منه]. وقد أوضح الأمر رسول الله صلى الله عليه وآله فجعله جليا " بقوله: (إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي) وهذا نص صريح في كونه خليفته بل نص جلي في أنه لو ذهب ولم يستخلفه كان قد فعل ما لا ينبغي أن يفعل، وهذا ليس إلا لأنه كان مأمورا " من الله عز وجل باستخلافه كما ثبت في تفسير قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ (4).

===== Page 212 =====

[ومن تدبر قوله تعالى في هذه الآية (فما بلغت رسالته)]. ثم أمعن النظر في قول النبي صلى الله عليه وآله: (إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي) وجدهما يرميان إلى غرض واحد كما لا يخفى، ولا تنس قوله صلى الله عليه وآله في هذا الحديث: (أنت ولي كل مؤمن بعدي) (1) فإنه نص في أنه ولي الأمر وواليه، والقائم مقامه فيه، كما قال الكميت رحمه الله: ونعم ولي الأمر بعد وليه * ومنتجع التقوى ونعم المؤدب (2) وقال العلامة الحجة الأميني في الغدير قوله: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى) هو يعطي إثبات كل ما للنبي صلى الله عليه وآله من رتبة وعمل، ومقام ونهضة، وحكم وإمارة وسيادة لأمير المؤمنين عليه السلام، عدا ما أخرجه الاستثناء من النبوة، كما كان هارون من موسى كذلك فهو خلافة عنه صلى الله عليه وآله، وإنزال لعلي عليه السلام منزلة نفسه لا محض استعمال كما يظنه الظانون، فقد استعمل صلى الله عليه وآله قبل هذه على البلاد أناسا "، وعلى المدينة آخرين، وأمر على السرايا رجالا " لم يقل في أحد منهم ما قاله في هذا الموقف، فهي منقبة تخص أمير المؤمنين عليه السلام فحسب، انتهى (3).

4 - حديث السفينة

===== Page 213 =====

أقول: وأيضا " دالة على خلافة أمير المؤمنين عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله على الفور بلا فصل، وعلى العصمة كما كانت العصمة لهارون عليه السلام سواء بسواء سوى النبوة كما علمت. حديث السفينة وهو قول النبي صلى الله عليه وآله: (مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى) أجمع علماء الإسلام قاطبة على صحة هذا الحديث الشريف، وأنه من الأحاديث المستفيضة التي كادت أن تبلغ حد التواتر، وقد أورده من أعلام الفريقين ما يربو عددهم على المائة من الحفاظ، وأئمة الحديث، وأهل السير والتواريخ في مؤلفاتهم، ومجاميعهم، وصحاحهم ومسانيدهم استسلاما " لأهميته، وانقيادا " لعظمته، وجلالة قدره، وقد ذكره ونقله جل أصحاب السنن والمؤرخين، والمحدثين، وأهل السير من الأمة الإسلامية، وحتى غيرها، وتقبلوه بقبول حسن (1). نص الحديث على ما ذكره جماعة من أعلام القوم، منهم:

===== Page 214 =====

الحاكم في المستدرك بسنده عن حنش الكناني، قال: سمعت أبا ذر يقول - وهو آخذ بباب الكعبة -: من عرفني فأنا من عرفتم، ومن أنكرني فأنا أبو ذر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق). هذا حديث صحيح على شرط مسلم، انتهى (1). وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، وإنما مثل أهل بيتي فيكم، مثل باب حطة في بني إسرائيل، من دخله غفر له) (2). وقال ابن حجر في صواعقه: جاء من طرق عديدة يقوي بعضها: بعضا " (إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا - وفي رواية مسلم: ومن تخلف عنها غرق - وفي رواية: هلك - وإنما مثل أهل بيتي فيكم، مثل باب حطة في بني إسرائيل، من دخله غفر له - وفي رواية غفر له الذنوب) (3). وقال في موضع آخر: جاء من طرق كثيرة يقوي بعضها بعضا ":

===== Page 215 =====

(مثل أهل بيتي - وفي رواية: إنما مثل أهل بيتي - وفي أخرى: إن مثل أهل بيتي - وفي روايته: إلا إن أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح في قومه، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق - وفي رواية: من ركبها سلم، ومن تركها غرق - وإن مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له) انتهى. ثم قال بعد أن أورد هذا الحديث وغيره من أمثاله: ووجه تشبيههم بالسفينة أن من أحبهم وعظمهم شكرا " لنعمة مشرفهم صلى الله عليه وآله وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومن تخلف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان إلى أن قال: وجعل لهذه الأمة مودة أهل البيت سببا " لها، انتهى (1). وروى الحمويني في فرائد السمطين بحذف أسانيده (2) عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي بن أبي طالب:

===== Page 216 =====

(يا علي أنا مدينة الحكمة، وأنت بابها، ولن تؤتى المدينة إلا من قبل الباب، وكذب من زعم أنه يحبني ويبغضك! لأنك مني وأنا منك، لحمك من لحمي، ودمك من دمي، وروحك من روحي، وسريرتك من سريرتي، وعلانيتك من علانيتي، وأنت إمام أمتي وخليفتي عليها بعدي، سعد من أطاعك، وشقي من عصاك، وربح من تولاك، وخسر من عاداك، وفاز من لزمك، وهلك من فارقك، مثلك ومثل الأئمة من ولدك بعدي مثل سفينة نوح، من ركب فيها نجا، ومن تخلف عنها غرق، ومثلكم مثل النجوم، كلما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة) (1). وروى ابن المغازلي الشافعي في فضائله بسنده المعنعن عن هارون الرشيد، عن المهدي، عن المنصور، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس (رض) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تأخر عنها هلك. إقرأ واعجب من صنيع هؤلاء بأهل البيت مع ما يروون من

===== Page 217 =====

فضلهم (1)! وروى الشبلنجي في نور الأبصار: روى جماعة من أصحاب السنن عن عدة من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك - وفي رواية: غرق - وفي أخرى: زج في النار -) (2). وقد تواتر هذا الحديث الجليل عند الشيعة أيضا " حتى صار من القطعيات. أقول: هذه نبذة مختصرة من أحاديث الباب قدمناها لك أيها القارئ اللبيب، وهناك أضعاف مما قدمناه لك تركناها طلبا " للاختصار، وسنعرض عليك أسماء بعض من أورد هذا الحديث الشريف من علماء السنة، فمنهم: مسلم في صحيحه، وأحمد بن حنبل في مسنده، وابن جرير الطبري في تاريخه، والحاكم النيسابوري في مستدركه، والحمويني في فرائد السمطين، وأبو نعيم الإصفهاني في حليته، ودلائل النبوة، وابن عبد البر القرطبي في الإستيعاب، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، وابن الأثير الجزري في أسد الغابة، والفخر الرازي في تفسيره، وابن طلحة الشافعي في مطالب السؤول، ومحب الطبري

===== Page 218 =====

الشافعي في الرياض النضرة وذخائر العقبى، وسبط ابن الجوزي في التذكرة، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة، والسيوطي في الجامع الصغير، وابن حجر في صواعقه، والشبلنجي في نور الأبصار، والصبان المصري في الإسعاف [المطبوع] بهامش نور الأبصار، والقندوزي الحنفي في ينابع المودة، والگنجي الشافعي في كفاية الطالب، والسمهودي، وأبو المظفر السمعاني، والسخاوي، وغير هؤلاء من فطاحل علماء القوم (1).

===== Page 219 =====

وممن صرح بصحته: الإمام الشافعي، وقد نسب إليه العجيلي في ذخيرة المآل الأبيات التالية: ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم * مذاهبهم في أبحر الغي والجهل ركبت على اسم الله في سفن النجا * وهم وأهل بيت المصطفى خاتم الرسل إلى آخره، وقد مرت هذه الأبيات بطولها ص 59 من كتابنا هذا، فراجع ثم اعلم أيها القارئ اللبيب إن هذا الحديث الشريف الوارد عن صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله قد أغلق السبل المتشعبة، فلم يدع سوى سبيل آل البيت الواضح كالشمس الضاحية في رائعة النهار قد أخذ بأعناق

===== Page 220 =====

المؤمنين، وقادهم إلى طريق الحق السوي الذي هو كالمحجة البيضاء، تذهب بسالكها إلى الجنان. وإن تمثيل النبي صلى الله عليه وآله أهل بيته بسفينة نوح صريح في وجوب اتباعهم، والاقتداء بأقوالهم وأفعالهم، وحرمة اتباع من خالفهم، وسائغ لتحقيق النجاة بهم، فراكبو السفينة إنما نجوا من الغرق لسلامة السفينة من العيب، فلو كان فيها خلل لهلك من فيها بلا شك، لأن أمواج الطوفان هائلة تتلاطم كالجبال كما حكى القرآن عن ذلك الهول الرهيب الهائل: (وهي تجري بهم في موج كالجبال * ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين) فامتنع عنادا " عن الركوب: (قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) فرد عليه نوح بقوله: (لا عاصم اليوم) شئ (من أمر الله) أبدا " (إلا من رحم) الله بركوب السفينة، فأصر الكافر على الخلاف تكبرا " وعتوا " ﴿وحال بينهما الموج فكان من المغرقين﴾ (1) الذين بقوا مصرين على كفرهم، فاجتاحتهم أمواج الطوفان، فهلكوا وقطع الله دابرهم، والحمد لله على هلاك أهل الكفر. وكذلك حال أئمة أهل البيت عليهم السلام مع هذه الأمة فمن لجأ إليهم، وسلك سبيلهم المستقيم، وتمسك بعراهم الموثوقة التي لن تنفصم،

===== Page 221 =====

ولن تتفكك حلقاتها المتراصة، وأخذ عنهم أصول دينه وفروعه، وتخلق بأخلاقهم العظيمة، وتأدب بآدابهم الحسنة، وثبت على ولائهم صادقا " في محبتهم لا يقدم غيرهم عليهم، نجا من الغرق، وفاز بالحظ الأوفر، وأمن من عذاب الله واليوم الآخر بعهد من الله ومن النبي صلى الله عليه وآله. ومن تخلف عنهم، كان كمن لجأ وأوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر الله، فأخذه الموج، وغرق وهلك، وكذلك هذا اجتاحته أمواج الفتن المتراكم يتلو بعضها بعضا "، مثل أمواج طوفان نوح سواء بسواء، لا فارق بينهما ينص الحديث، فأخذه الموج وغرق ثم هوى في جهنم على أن ذلك غرق في الماء، وهذا في الحميم والعياذ بالله. ثم إن هذا الحديث الشريف إنما يأخذ بعنق المؤمن إلى أهل البيت عليهم السلام ويلجئه إلى الأخذ من أئمة الهدى حرصا " على النجاة، وطلبا " للفوز بالنعيم الأبدي، وخوفا " من هول يوم الحساب. ولقد أجاد سيدنا الإمام الأكبر، علم الشيعة الخفاق وسيفه البتار، المجتهد المصلح، المجاهد السيد المحسن الأمين العاملي (ره) في الجزء الثالث من أعيان الشيعة ص 265 حيث قال عند ذكر هذا الحديث الشريف: وأي عبارة أبلغ في الدلالة على ذلك من قوله (من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك أو غرق) فكما أن كل من ركب مع نوح في سفينته نجا من الغرق، ومن لم يركب غرق وهلك، فكذلك كل من

===== Page 222 =====

اتبع أهل البيت أصاب الحق، ونجا من سخط الله، وفاز برضوانه، ومن خالفهم هلك ووقع في سخط الله وعذابه، وذلك دليل عصمتهم، وإلا لما كان كل متبع لهم ناجيا " وكل مخالف لهم هالكا ". وهذا عام مخصوص كما مر في حديث الثقلين، وليس المراد به إلا أئمة أهل البيت عليهم السلام الذين وقع الاتفاق على تفضيلهم، واشتهروا بالعلم والفضل والزهد، والورع والعبادة، واتفقت الأمة على عدم عصمة غيرهم، وغير المعصوم لا يكون متبعه ناجيا " ومخالفه هالكا " على كل حال، ولا يقصر عنه في الدلالة خبر تسميتهم بباب حطة الدال على أن النجاة في اتباعهم، والخلاص من الذنوب والمعاصي بالأخذ بطريقتهم، انتهى. أقول: والقول الفصل: إن هذا الحديث الشريف حجة قاطعة، ودليل قوي على مدعى الشيعة الأبرار، ومتبعي آل الرسول الأخيار عليهم السلام بإثبات الخلافة لعلي أمير المؤمنين عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بلا فصل، وبعده ذريته المنتجبين، وذلك لنص الحديث على أن المتمسك بالعترة الطاهرة ناج، والمتخلف عنهم هالك، قولا " واحدا "، فلا مساغ لأحد أن يدحض حجتهم، ويأخذ عن غيرهم، ويدعي لنفسه النجاة، والله أسأل أن يرشد المسلمين إلى سواء السبيل، ويوحد كلمتهم على اتباع الحق، ويلهمهم قول الصدق إنه ولي التوفيق، والهادي إلى أقوم الطريق.

5 - حديث مدينة العلم

===== Page 223 =====

حديث مدينة العلم وهو قول النبي صلى الله عليه وآله: (أنا مدينة العلم وعلي بابها) إن هذا الحديث الشريف العظيم من الأحاديث الثابتة لدى جميع علماء الإسلام قاطبة من حفاظهم ومؤرخيهم، وأرباب الحديث، وأصحاب السير، وقد تواتر نقله عن الصحابة والتابعين، وأساطين الفن من علماء الإسلام على اختلاف طبقاتهم، وتوالي العصور والأزمنة، طبقة بعد طبقة. أما الصحابة الذين رووا هذا الحديث الجليل، فهم جماعة كثيرة، منهم: الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. والإمام الحسن السبط عليه السلام. وعبد الله بن العباس، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وعبد الله بن مسعود الهذلي، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك، وعمرو بن العاص، وغيرهم. وأما التابعون لهم بإحسان، فمنهم: الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام وابنه الإمام محمد الباقر عليه السلام، وأصبغ بن نباتة، وجرير الضبي، والحارث بن عبد الله

===== Page 224 =====

الهمداني الكوفي، وسعد بن طريف الحنظلي الكوفي، وسعيد بن جبير الأسدي الكوفي، وسلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وسليمان بن مهران الأسدي الأعمش الكوفي، وعاصم بن حمزة السلولي الكوفي، وعبد الله بن عثمان بن خيثم القارئ المكي، وعبد الرحمن بن عثمان، وعبد الله بن عسيلة المرادي أبو عبد الله الصنايجي، ومجاهد بن جبير أبو الحجاج المخزومي المكي. وأما العلماء الذين حكموا بصحته أو بحسنه، فكثيرون، فمنهم: الطبري في تهذيب الآثار، والحاكم في المستدرك، والسيوطي في جمع الجوامع، والبيروني في أسنى المطالب، والمتقي في كنز العمال، وفضل الله بن روزبهان الشيرازي في كتابه المسمى إبطال الباطل، والفيروز آبادي في نقد الصحيح. وابن حجر العسقلاني في بعض فتاواه على ما حكى عنه السيوطي في اللئالئ المصنوعة، وجمع الجوامع، والسخاوي في المقاصد الحسنة، ومحمد بن يوسف الشامي في سبيل الهدى والرشاد في أسماء خير العباد، وابن الحجر في الصواعق المحرقة، والمنح المكية في شرح القصيدة الهمزية، والمناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير، وعبد الحق الدهلوي في اللمعات، والصبان المصري في إسعاف الراغبين. هذا ما عثرنا عليه، ورواء ذلك أكثر من هؤلاء بكثير، وكلهم من

===== Page 225 =====

فطاحل القوم (1).

===== Page 226 =====

وأما العلماء الذين أرجوا هذا الحديث، وأوردوه في جوامعهم ومسانيدهم ومؤلفاتهم، فهم كثيرون جدا "، وإليك بعض من ذكره فيمن مضى من القرون الخالية، محتجين به، مرسلين إياه إرسال المسلم، مدافعين عنه قالة المزيفين، وجلية المبطلين: ذكر الحاكم في مستدركه، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبد الرحيم الهروي بالرملة، ثنا أبو الصلت عبد السلام بن صالح، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس (رض) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب). هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (1). وذكر الخطيب في تاريخ بغداد، قال: حدثنا يحيى بن علي الدسكري بحلوان، حدثنا أبو بكر محمد بن المقري بإصبهان، حدثنا أبو الطيب محمد بن عبد الصمد الدقاق البغدادي، حدثنا أحمد بن

===== Page 227 =====

عبد الله أبو جعفر المكتب، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان الثوري، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن عبد الرحمان بن عثمان، قال: سمعت جابر بن عبد الله (رض) يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله - وهو آخذ بضبع علي بن أبي طالب (رض) - وهو يقول: (هذا أمير البررة، قاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد البيت فليأت الباب) (1). وذكر القندوزي في ينابيع المودة، قال: وروى ابن عدي، والحاكم، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب) (2). وذكر ابن الحجر في صواعقه (3) قال: روي من طريق العقيلي وابن عدي، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (أنا مدينة العلم وعلي بابها)، وفي رواية: (فمن أراد العلم فليأت الباب). وذكر ابن كثير في (البداية والنهاية) (4) قال: رواه سويد بن سعيد، عن شريك، عن سلمة، عن الصنايجي، عن علي مرفوعا ": (أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت باب المدينة).

===== Page 228 =====

وذكر المتقي في (كنز العمال) المطبوع بهامش المسند (1)، قال: روي الحديث، عن علي بعين ما تقدم عن البداية والنهاية. وذكر ابن عبد البر في الإستيعاب (2) قال: روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم، فليأت من بابه). وذكره محب الطبري في الرياض النضرة (3). وروى الحديث من طريق أبي عمر بعين ما تقدم عن الإستيعاب. وذكره في ذخائر العقبى (4) وروى الحديث بعين ما تقدم عن الإستيعاب. وذكر ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج (5) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب). إلى غير ذلك مما رواه القوم في شأن هذا الحديث المبارك في مؤلفاتهم، وجوامعهم، ومسانيدهم: كابن الأثير الجزري في أسد الغابة ج 4 ص 22. والگنجي الشافعي في كفاية الطالب ص 99. والحمويني في فرائد السمطين (مخطوط).

===== Page 229 =====

والذهبي في تلخيص المستدرك ج 3 ص 126. وابن حجر العسقلاني في لسان الميزان ج 1 ص 432. وفي تهذيب التهذيب ج 6 ص 320. والسخاوي في المقاصد الحسنة ص 97. والنبهاني في الفتح الكبير ج 1 ص 276. والسيوطي في تاريخ الخلفاء ص 170. وفي الجامع الصغير ج 1 ص 364. وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص ص 53. وغيرهم ممن لا يسعنا درج أسمائهم في هذا الاملاء، ومن أراد المزيد فعليه بالكتب المبسوطة من الفريقين. ولقد ذكر هذا الحديث الشريف سيدنا الأجل المجاهد السيد آغا نجفي المرعشي في تعليقاته على إحقاق للإمام الأكبر آية الله العظمى المجاهد الشهيد السعيد السيد القاضي نور الله التستري رحمه الله ثم تعرض إلى ذكر كثير من أئمة السنة والجماعة الذين تصدوا إلى ضبط مدارك هذا الحديث الجليل، وذلك في الجزء الخامس ص 469 إلى ص 514. أقول: فإن كان هؤلاء القوم الذين رووا هذا الحديث الشريف كلهم قد افتعلوا على رسول الله!! كما زعم بعض الدجالين المشاغبين المتهوسين، الذين دأبهم إيقاع الخلل والسعي في الافساد وإنكار الضروريات، فمنا على الدين السلام.

===== Page 230 =====

نعم قد وجدنا كثيرا " ممن افتعل الحديث على رسول الله صلى الله عليه وآله في فضائل الصحابة (رض) مأجورين أو غير مأجورين، ولما لم يجدوا في هذا الحديث المبارك المتواتر عند القوم وغيرهم مغمزا "، ولم يجدوا سبيلا " إلى إنكاره لتواتر أدخلوا فيه جملا " ليصرفوه عمن هو له أهل فنقلوه هكذا: (أنا مدينة العلم، وأبو بكر أساسها، وعمر حيطانها، وعثمان سقفها، وعلي بابها)!!. وقد تفطن بعض علماء القوم (السنة) لبعض ما يلزم من الشناعة، فجعلوا عثمان سقفها، وقالوا: إن المدينة لا سقف لها، ولو أنهم عقلوا لعلموا أن معنى (مدينة العلم) مجتمعة، فكيف يكون أبو بكر أساسها الذي عليه بنيت، وهو لا يعرف (التبن) كما نقل عنه كثير من المفسرين من جميع طوائف المسلمين أنه لما سئل عن معنى قوله تعالى: ﴿وفاكهة وأبا﴾ (1) أجاب: أما الفاكهة فعرفناها، وأما الأب فأي أرض تقلني، وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله برأيي وأنا لا أعلم؟! وقد ثبت عنه أيضا " في مصادر عدة أنه قال: إن لي شيطانا " يعتريني، فإذا عثرت فقوموني. وأيضا كيف يكون عمر حيطانها، وهو القائل: كل الناس أفقه منك يا عمر، حتى المخدرات في الحجال؟!

===== Page 231 =====

والقائل أيضا " في كثير من المواطن: لولا علي لهلك عمر. والقائل أيضا ": لا أبقاني الله في معضلة ليس فيها أبو الحسن (1). إلى كثير وكثير من أمثال ذلك من اعترافاته بجهله في الأمور، وعدم علمه بالأحكام، وبرب الكعبة لا ينفع القوم اعتذارهم عن عمر بأنه قال ما قال تواضعا " منه!! وهذا الاعتذار البارد غير مجد إذ لا سبيل للتواضع المزعوم، لأن المقام الذي نحن بصدده مقام خلافة عن نبي معصوم جاء بشريعة باقية حتى منتهى الدنيا وفناء من عليها، فلامكان للتواضع في مثل هذا المقام العظيم الثقيل العبء، فتأمل وانصف على أن دعوى التواضع، دعوى تحتاج إلى دليل، ولا دليل هناك للقوم. ثم إن الظاهر من قول عمر، اعترافه بأفضلية علي عليه السلام على كل حال، وكفى ذلك دليل للشيعة الأبرار. فبرك قل لي أيها المسلم المنصف: أفهل يليق بمثل عمر مع اعترافاته بجهله أن يكون خليفة لأمة متجددة قريبة عهد بالإسلام مع وجود من قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله: (أنت يا علي وارث علمي، وزوج ابنتي، وقاضي ديني،

===== Page 232 =====

وخليفتي من بعدي) (1)؟! وقد أشار أمير المؤمنين عليه السلام يوما " على منبر الكوفة إلى صدره الشريف ثلاثا " وقال: ها هنا صفة العلم، ها هنا لعلما " جما "، سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله لو تسألوني عن طرق السماوات والأرضين لأخبرتكم بها، فإني أعلم بطرق السماوات من الأرض. وأمثال ذلك مما لا تحصى كثرة، فأين الثرى من الثريا يا مسلمون!؟ وأيضا " جعلهم عثمان سقفا " للمدينة، مهزلة تضحك الثكلى، كجعلهم أبا بكر أساسا "، وعمر حيطانا " لها، وأنا لا أدري أي شيطان من شياطين الجن والإنس أوحى لواضع هذه الزيادة في الحديث الشريف؟ إذ أن الثابت المروي في الصحاح والمسانيد للقوم خلاف ذلك، لذلك لم نجد بعد التمحيص له سندا " يعتمد عليه، ليت القوم تنبهوا من غفلتهم، وأمعنوا النظر في هذا الحديث الشريف البالغ أعلى درجات البلاغة والفصاحة. على أن وضع هذه الزيادات تحط من كرامة الخلفاء الثلاثة، وتستهزئ بهم إذ أن القاصد إلى المدينة لا يأتيها من أساسها ولا من حيطانها، ولا من سقفها، بل يأتيها من بابها، ومن المحقق أنها قد وضعت في زمن الطاغية معاوية الذي اتخذ الحديث متجرا "، كما

===== Page 233 =====

قدمنا، فإنه قد أوعز إلى عماله في جميع ممتلكاته بوضع الحديث في فضل الصحابة، وذم العترة الطاهرة من أهل البيت عليهم السلام، ولا سيما في حق أمير المؤمنين عليه السلام. وصفوة القول: قد تعين خلافة أمير المؤمنين عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بلا فصل من هذا الحديث الشريف المتواتر، وهو: (أنا مدينة العلم، وعلي بابها) مضافا إلى ما تقدم من الأدلة القطعية العقلية منها والنقلية. إذ جعل رسول الله صلى الله عليه وآله عليا " بابا " للمدينة التي يأتيها رواد العلم من كل حدب وصوب، ولم يوكل النبي صلى الله عليه وآله هذا الأمر إلى غير علي من الصحابة، لعدم وجود أهلية أحد منهم بذلك العبء الثقيل، لما فيه من الأهمية العظيمة المترتب عليها فوز الأمة إن انقادت وسلمت الأمر لمن هو له أهل، أو هلاكها إن خالفت وعصت أمر الآمر، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وآله: (من أراد العلم الباب) ومن أتى من غير الباب عد سارقا "، وصار من حزب إبليس!؟ وقد ذكر السيد الإمام الأكبر والمجاهد الأعظم، عز الشيعة ومعز الشريعة، سيد الطائفة، السيد مير حامد حسين النيسابوري، ثم الهندي في كتابه (عبقات الأنوار) (1) حديث (أنا مدينة العلم وعلي

===== Page 234 =====

بابها) ثم استدل به على خلافة علي أمير المؤمنين عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل، وذلك بثمانين دليلا " من الأدلة القاطعة، والحجج البالغة، والبراهين الساطعة، فراجع العبقات. وبالجملة فإن الذي أوردناه في هذا الإملاء هي خمسة أحاديث مأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وآله ثابتة عن كتب القوم (السنة) المتفق عليها

===== Page 235 =====

عندهم دالة صحة مدعانا في أولوية أمير المؤمنين علي عليه السلام بالخلافة بعد رسول الله بلا فصل وهي: 1 - حديث الدار (1). 2 - حديث الثقلين (2). 3 - حديث المنزلة (3). 4 - حديث السفينة (4). (5) - حديث المدينة (5). قدمناها لك أيها القارئ اللبيب المنصف، وذلك بعد إيراد الآيات الخمس القرآنية، فهذه وتلك عشرة كاملة ثابتة من جميع الطرق، لم يخالف فيها أحد كائنا " من كان، إلا أن يكون قد أخذ به الهوى، فهوى في هوة سحيفة، لا حد لها ولا قرار. فانجلى أمر الخلافة الفورية لعلي عليه السلام، وبهذه الأدلة العشرة الكاملة التي أثبتها علماء الإسلام، وصححها أكابر علماء السنة، فضلا " عن علماء الشيعة، طبقا " لما ذهب إليه الشيعة الأبرار، فلا عبرة ولا اعتبار لمنكر الخلافة الفورية لعلي عليه السلام لانحرافه عن جادة الصواب. وهناك نصوص متكاثرة، وروايات متضافرة، وأحاديث كثيرة ضاق عن إحصائهم القلم كتابا " وسنة نحيل القارئ إلى مظانها في الكتب المبسوطة.

===== Page 236 =====

فالأمل كل الأمل، والرجاء كل الرجاء، أن ينقاد إخواننا السنة إلى الحق، ويدعوا الطعن على إخوانهم الشيعة إذ أنهم سلكوا سبيل آل بيت النبي صلى الله عليه وآله سواء بسواء، لم يعرجوا عنهم إلى غيرهم، ولم يحيدوا عنهم قيد شعرة، ولا ينسبون إليهم الأكاذيب الشنيعة، والمفتريات الرذيلة، والأقاويل المفتعلة، ولا يلصقون بهم التهم الباطلة، كما فعله بعضهم كابن تيمية، وابن حزم، وابن الحجر، وأحمد أمين المصري، وموسى جار الله، ومحمد ثابت المصري، والحفناوي، والجبهان. وكالشيخ نوح الذي أفتى بكفر الشيعة الأبرار، وقتلهم، وسبي نسائهم، واسترقاق ذراريهم، ونهب أموالهم تابوا أم لم يتوبوا!! وغير هؤلاء ممن سلك طريقهم الفاسد من بعض حثالات الأمويين وأذناب المروانيين. نعوذ برب العرش من فئة بغت علينا ظلما " وعدوانا "، جهلا " أو تجاهلا "، مأجورين أو متبرعين. وأيضا " نأمل من إخواننا السنة أن يأتوا في كتبهم بالحقائق عن الشيعة، ويدعوا المسبة وكل ما لا يرضي الله، ولا يسجلوا في كتبهم ما لا يوجد في مؤلفات الشيعة، ولا يكون من أصول مذهبهم، فإن العصر عصر نور، وقد ثبتت الحقائق لدى الجميع، وأخذ الناس من مختلف الأديان والمذاهب يدخلون في مذهب التشيع أفواجا " أفواجا ". وإنما أتيت بهذه النصحية الثمينة لعلمي بما في مؤلفات القوم من

===== Page 237 =====

المطاعن الغليظة الشنيعة، والشتم المقذع مما تمجها النفس السليمة ويقذرها الأحرار. ويشهد الله وكفى به شهيدا "، إنني كنت قبل الأخذ بمذهب آل البيت عليهم السلام أنصح دائما " زملائي الأشاوس العلماء الأعاظم في القاهرة، ودمشق، وحلب، ومكة المعظمة، والمدينة المنورة وغيرها، خصوصا " أصحاب القلم، وأرباب التآليف [بالابتعاد] عن الطعن في هذه الفرقة الآخذة بمذهب أهل البيت عليهم السلام، قائلا ": الأجدر بكم أيها الإخوة الرد عليهم بالتي هي أحسن، وذلك بأدلة عقلية أو نقلية، لا بالشتم والتهم، وهو أليق بالآداب الإسلامية التي أتى بها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وقد قال الله في كتابه: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ (1). ألا ترون إلى ما في مؤلفات الشيعة من الحجج ما يثبت مدعاهم، ويمسكون عن السب والشتم والتهم الباطلة، بل يدعون لكم بقولهم: أصلح الله إخواننا!! هذه أخلاقهم التي استقوها عن أئمتهم، وتلك كتبهم قد ملأت أرض الله الواسعة، فعليكم بمراجعتها، والرد عليها إن وجدتم إلى ذلك سبيلا. على أنني عثرت على كثير من مؤلفات الشيعة، فوجدت الأمر

===== Page 238 =====

على خلاف ما يقال فيهم، ولعمر الله إنهم فرقة مسلمة، وطائفة مؤمنة بكل ما جاء عن الله ورسوله من الأحكام الخمسة (1) مستمرين عليها من يوم البعثة إلى يوم البعث، غير أني لم أجد لهم ذنبا " سوى عدم تقديم غير أهل البيت على أهل البيت عليهم السلام!!! وهل هذا يعد ذنبا " يا مسلمون؟! ولو أنهم وافقونا لما نالهم شئ من تلك المطاعن، ولكن ماذا يصنعون والأدلة قائمة من كلا الطرفين جميعا " على إثبات مدعاهم؟ وبعد تلك النصائح التي كنت أوجهها ويؤيد مقالتي، ومنهم من يقول: أنت منحرف عن مذهبك، ومائل إلى الرفض! فأجيبه بما أجاب به الإمام الشافعي: إن كان رفضا " حب آل محمد * فليشهد الثقلان أني رافضي حتى أن هداني الله تعالى إلى التمسك بولاء آل بيت رسوله، واعتناق المذهب الشيعي الشريف، كما مر تفصيلا بيانه، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، سائلا " من الله العلي القدير أن يرشد الأمة إلى ما فيه الهداية، إنه ولي الإجابة.

===== Page 239 =====

الفصل الثالث النصوص الواردة في حصر النبي ي صلى الله عليه وآله خلفائه عليهم السلام في اثني عشر

Primary Category :
Secondary Category :
الفصل الثاني: الشيعة والكتاب والسنة | لماذا اخترت مذهب أهل البيت | ShiaRef